- المرأة ليست موضوعًا في التاريخ بل فاعلًا أساسيًا في كتابته
- التراث الشعبي ليس ماضيًا منسيًا بل سجلّ صمود ومقاومة
بين دروب طرابلس المُغلقة على المسرح، وأروقة بروكسل المفتوحة على العالم، تنسج فاطمة غندور خيوط مشروعها: استعادة الأصوات المُغيَّبة من ذاكرة ليبيا. من راويات الحكايات في الواحات الجنوبية، إلى رائدات النهضة المنسيات، تُعيد غندور كتابة التاريخ من هوامشه، وتشقّ طريقًا استثنائيًا جعلت فيه من الجسد مدخلًا للمعرفة، ومن المسرح وسيلة لتفكيك البنى الاجتماعية والتاريخية، ومن السيرة النسائية صوتًا بديلاً يكسر صمت التهميش، فهي لا تكتفي بطرح الأسئلة حول المرأة والتراث، بل تنسج منهما مشروعًا ثقافيًا يواجه النسيان، ويؤكد أن الذاكرة الشعبية ليست حكاية عابرة، بل سجلّ مقاومة وصمود.
على مدى عقود، تحرّكت بين المسرح وصفحات الصحافة ومنابر البحث، لتؤكد أن الفعل الثقافي لا ينفصل عن النضال الاجتماعي والسياسي، فمن مؤسسة «ميادين» إلى كتبها عن النساء الليبيات، ومن الحكاية الشعبية إلى السيرة التوثيقية، كرّست جهدها لحراسة الذاكرة وحماية التراث اللامادي، مؤمنة بأن المرأة ليست مجرد موضوع في التاريخ، بل فاعلا أساسيا في كتابته وصناعته.
في هذا الحوار نتلمس رحلة باحثة رفضت أن تكون الذاكرة الوطنية حكراً على رواية واحدة، فشرعت أبواب «السير البديلة» حيث الحكاية مقاومة، والتوثيق فعل تحرر.
■ المرأة كفاعل تاريخي: يتجاوز مشروعك في إبراز السير النسائية مجرد التصحيح التاريخي ليصبح موقفًا ثقافيًا. كيف تختارين الشخصيات التي تستحق أن تُنتشل من الظل، وما هي رؤيتك لدور المرأة الليبية كصانعة للتاريخ لا مجرد موضوع فيه؟
بدءًا، تاريخ نهضة ونضال المرأة الليبية لم يُكتب بعد، وكنت قدمت خارطة تذهب لمركز ذاكرتهن يحمل اسم السيدة خديجة الجهمي «وقدمت اعتبارات لذلك»، يتم جمع الوثائق على اختلاف محتواها، شهادة ولادة تعني الزمان والمكان، شهادات دراسة وتخرج، صورهن في مواقع العمل التنموي والأهلي المدني، لدينا نساء درسن أول ومنتصف القرن المنصرم بمصر والشام وإسطنبول وإيطاليا واليونان وغيرها، العائلات الليبية المهاجرة لديها تاريخها بموطن الهجرة.
علينا أن نتواصل مع مراكز ومؤسسات أرشيفهن المغيب، وداخل الوطن التواصل مع أسرهن توثيقا للمرويات الشفاهية لأجل تدوينها في مؤسسة مهمة مثل مركز البحوث والدراسات التاريخية (مركز الجهاد سابقا) مجلدات سيرة الجهاد الليبي برواية ذكورية !، لن ننتقص منها، ونقلل من أهمية جهد الجامعين والمدونين، لكن التحيز والتمييز يجعل من تلك الوثائق المروية منقوصة لغياب صوت النساء الضحايا الشهود، والمناضلات صنو رجال المقاومة. أما عن دور المرأة ففي واقعنا اليوم ونحن نعيش مخاضا عسيرا، يستلزم راهننا الإيمان بالتشارك وتكافؤ الفرص، لست مع الانحياز للأنثى لمجرد حملها تاء التأنيث!.
لكني مع دعم ومناصرة من تترسم طريقها بالمشروع الجاد في مجالها، تعتمده بالدربة والاستمرارية، لخلق التراكم وتجويد العمل، تبعدُ الشكوى والتذمر، والتربسة على تلبية دعوات الصالات الفخمة، أو شراء عضويات شكلية بلا فعالية جوهرية، فلا طريق نشرعه دون إرادة الفعل والمعافرة، وفي ذلك حين نطالع التاريخ لسنا الأولين!
■ الأرشيف الشخصي كبوصلة: لكل باحث أرشيفه الوجداني الذي يوجه اختياراته. إلى أي مدى أثر تراثك العائلي وقصصك الشخصية في تشكيل مشاريعك البحثية، وهل كانت هناك حكاية بعينها هي الشرارة الأولى؟.
لا شك أني ابنة أسرة تحترم وتقدر خيارات أبناءها، استنارة قادها و بثها أبي في بيتنا بوعي لا تكلف فيه، تشربته أمي ابنة الواحة الجنوبية، (التي فكت أميتها بعد زواجها بمدارس طرابلس التي دعمها اليونسكو). لعل ذلك نتاج وأثر سيرة جدي من عمل في مركز واحته براك/ الشاطئ وموظف بريد ثم مسؤول إعاشة بالمدرسة الإيطالية التي يؤمها تلاميذ وتلميذات الواحة، بما فيهم أبناؤه أبي وأعمامي، الذين عاصرتُ تعاملهم مع شقيقتيهم كصنو وليس التابع.
عماتي، عمة لي اختارت الزوج ثم قررت الاغتراب لأجل أطفالها، وعمة راوية للشعر ومخيلتها نشطة واجهت متحرشا فرنسيا بمنجلها فارتعب وهرب، بل سمت وحدتها، وقوَتها بثقتها بنفسها في مواجهة الحياة حين اغترب الأخوة تاركين واحتهم وشقوا سبيلهم إلى عاصمة العمل والمال وفرص الحياة!،هي حكاءة عائلتنا وجمعتني بها وشائج، نقلت لي حكاية حياتها المعلنة والمسكوت عنها، كي أتسلح بالإرادة، وأن لا مستحيل رفقتها .كتبتُ عن أثرها في على أكثر من صعيد، في مقالتي «سيرة نفيسة»، اسمها وفعلها. ظلالها تحضر في مدونتي عن راويات القصص الشعبي، كما تحضر وتستحثني في تدوين وتوثيق سيرة الفاعلات «حاملات السر» صنوها. بل أغلب ما قاربته من قراءة سوسيولوجية في تراثنا الشعبي، الخراريف، نثر البوقالة، غناوة العلم، مقاعد أصحاب الصوب، تمكين المرأة في مجتمع البداوة، والواحة.
■ مستقبل الحكاية النسائية: بالنظر إلى مسيرتك الطويلة في توثيق تجارب النساء، من «نساء خارج العزلة» إلى «نساء الربيع العربي». ما هي الخيوط المشتركة التي اكتشفتها في رحلة وعي المرأة العربية، وكيف ترين مستقبل الحركة النسائية في ليبيا اليوم؟
كل نساء العالم يخضن نضالاتهن بطرق عدة، كم من سيرة مشقة، وكم من عذابات وقهر عبرن به، لا تعتقد أي منا، أنها في محك الفعل وصعوباته كحال استثناء، وليس لنا أن نغيب ما يتحقق في يومنا هذا من مكاسب للنساء، يُسمع صوتهن، وتدبج القرارات والمواثيق الدولية لأجلهن، أن تكون مترشحة برلمانية، ولها مقعد كوتا في كل مجلس بلدي، تخوض بما تستطيع ضمن مؤسسات المجتمع المدني في مجالات متعددة، حتى وتجربتنا فيها جدة، ولم نراكم بعد فيها.
لكن المرأة في ليبيا تقدم نضالها، وتدفع أثمانا غالية، تُغتال لأجل كلمة حق، وممارسة الدور كمُعارضة للتسلط، والفساد، الطريق ليس معبدا باليسر والسهولة لأن المطالب تستحق، أن تحفر في التربة العصية، فيها الديني والاجتماعي والتعصب والعنف، وفيها ما يواجه المرأة كما يواجه الرجل.. يبقى الدور على النساء أيضا في «جدية» فعلهن لتحقق مطالبهن.
■ لحظة «ميادين» الفارقة: في خضم الزلزال التاريخي لعام 2011، أسستِ مؤسسة «ميادين». ما الذي دفعكِ لاقتناص تلك اللحظة بالتحديد، وكيف أعادت تحولات الربيع العربي تشكيل بوصلتك الفكرية والبحثية؟
ميادين كجريدة أسسها الكاتب الصحفي والروائي أحمد الفيتوري (2011)، وتقلدت منصب مديرها العام، ثم عضوة مجلس إدارة المؤسسة لما تحقق أن تشمل ميادين «النشر والتدريب» ووثقت ترخيصها.
ثم رئاسة تحرير ملحقها «ميادين المرأة»، انضممت لأسرتها (سبقني سالم العوكلي وأحمد بللو وأحمد العريبي وعمرجهان) مع شهر تحرير العاصمة طرابلس، حيث اشتغلت على ملف موسع يخصها في اثتني عشرة صفحة العام سبتمبر 2011.
وفي بدء ممارسة الصحافة، كنت الهاوية المُشاركة في كتابة الصحف الحائطية، وتجهيز مقال للبرنامج الصباحي بالإذاعة، بمدرستي الابتدائية والإعدادية، ثم مع منتصف التسعينات، ذهبت لنشر المتابعات الثقافية، ما أحضر ووالدي الذي شكل مبتدأ علاقتي بثقافة بلادي، فمكتبة بيتنا بها قاطع لابأس به من كم يمثل كُتاب وأدباء ليبيا.
أنجزت بعض حوارات مع أصحاب تلك اللقاءات والنشاطات ومع حضورها أيضا، ما نشرته بصحف محلية و بالعرب اللندنية، كما استطلاع صحفي. ظلت كتابتي وأسئلتي تنضبط بقيد الرقيب، ومهجوسة بحُراس إعلام السلطة!، وعبرتُ قصصا، إذ سلطة الأمن تسأل عن نشري مقالا موسعا يتكشف سيرة خديجة عبدالقادر، المحسوبة عندهم على جيل نظام بائد ورجعي وخائن !، حتى وهن المؤسسات لمبتدأ الطريق، لكني في جريدتي ميادين الأسبوعية، والتي، أنجزت بها الاستطلاع، والمقال، والملف السياسي، والحوار.
مارست الصحافة دون مقص الرقيب الحاد، لا هواجس تتعقب ظلال كلماتي، فتحت الباب لأسئلتي دون مطرقة تدق رأسي بأن أتحسب لكل شيء!، ولحظة فبراير في مشهد الصحافة والإعلام، لا شك أنها مفارقة، تحققت الإتاحة، أن تمارس حقك واستقلاليتك في الكتابة، وتحدد خارطة جريدتك، لا ريب كنا تحت وقع صوت السلاح الملعلع من حولنا، ما لجمه قليلا وقتها هو توازن الرعب !.
لكن مع العام ألفين وأربعة عشر، وقد طالنا التهديد بوقفها، ما طال كل صحف الثورة، جرى وأد تلك اللحظة، التي ليس كمثلها لحظة لجيلي. إذ أحسب أن سيرتي في فعل الصحافة والإعلام هذا العقد ويزيد، تحققت فيما لم استطع أن أنجزه ولم يتح لي قبلا، أن يخرج صوتي كصحفية، تعلن رأيها في الشأن السياسي، بمحطات بلادي وخارجها، أن ألتقي صحفي العرب والعالم، وأتشارك معهم قضايا راهنة وبلدي في خضمها، كنت بمكتب الاتصال والإعلام بمفوضية الاتحاد الأوروبي /بروكسل، قسم الإعلام بمفوضية الاتحاد الأفريقي/ أديس أبابا، معهد دراسات عصام فارس بالجامعة الأميركية بيروت، بمؤسسة بي بي سي، ثم دوتشي فيلي، نشرت لسنوات مقالا منتظما بالموقع المصري الدولي البوابة نيوز، وتوليت منصب مستشارة إعلامية بأول وكالة أنباء للمرأة عربيا.
عشنا انغلاقا وترصدا، وهواجس أمنية تتجاوز الحد، تعلننا كقاصرين ومتهمين. عملت مذيعة (قارئة) لعقدين ويزيد، بمحطة إذاعية اسمها «صوت أفريقيا» لم ألتق صحفيا أفريقيا ونحن في قلب أفريقيا، وقبلها هي «صوت الوطن العربي» الموجهة للعرب لكن ليبيا محجور عليها بها. لم أحظ بدورة تنشيطية، ولا مواكبة لمجال، المتغيرات فيه تستحث المتابعة والممارسة والانفتاح.
■ الباحثة في مواجهة الواقع: بصفتك باحثة وفاعلة في المشهد الليبي المعاصر، كيف تتعاملين مع العلاقة الشائكة بين البحث الأكاديمي والتحولات السياسية، وهل يمكن للباحث أن يحافظ على مسافة آمنة دون أن يفقد صلته بالواقع؟
في ظني يتشارك الصحفي والباحث المسؤولية الأخلاقية، ومساعي تحقق المسافة الحيادية الآمنة مما يطرقان من موضوعات تعتمد الرأي، قد يتسع أفق الباحث حين يترسم مسألة ما، إذ مساحته في الرأي والتفنيد مفتوحة على القراءة والتفكيك والتنظير، والمصادر والمرجعية.. الصحافة على الأرض ليس لها أن تنسلخ عن واقعها، أخرج للتعليق على حدث ما، فيه السبق والعاجل الآني، وما أرجحه من سيناريوهات ومآلات، اعتمد مصادري على الأغلب.
كما أستنير بأساتذتي من كتاب ومحللين، واستغل ما يجمعنا من نقاشات في الاستزادة مما يغمض عني، مازلت أتعلم في مدرسة الصحافة التي تعتمد بث الرأي السياسي، خاصة ونحن كصحفيات لم يتح لنا ذلك قبلا... واعترف أني في خروجي بالرأي السياسي كصحفية أهجس بالقصور كما أهجس به عند شروعي في البحث، ويعتريني قلق كيف سأبدأ؟
■ هندسة السيرة: تجمع كتاباتك بين صرامة التوثيق وحساسية السرد، فتبثين الحياة في شخصيات منسية. كيف تديرين هذا التوازن الدقيق بين المنهج العلمي والخيال الخلّاق، لنسج سيرة فردية دون أن تذوب في صخب التاريخ أو تنعزل عنه؟
هذا سؤال يحيلني إلى استعادة حاذقة طريفة تواجهني!: ما يتقاذفني من أراء حين أكتب، أقصد عن الصرامة، وعن اطلاق الخيال!،فمنهم طرف يعتبرني لم أخرج من عباءة وظيفتي الأكاديمية، يقابلهم أكاديميون يتهمونني بكتابة أدبية صحفية تنحرف عن سلكها الاكاديمي المنهجي، فأصير بين ناري ذائقتين!
غير أن فعل الكتابة به ذاتية غلابة، حين نقرر أن نتحرر من عباءة فرضيات وتوقعات المتلقي المسبقتين. فلا أمتثل عندها لغير أخلاقيات نتوافق لأجلها، أتحاشى فيها الأذى اللفظي المعنوي، منحازة لبث وصب ما يقلقني، فكرة عشعشت بذهني، شغلتني فأحاول الإمساك بتلابيبها، قد التحف الذاكرة أو المرجعية التاريخية، دون إيمان كلي بحقيقتها. أما ما تعلق بالسيرة التوثيقية التي شرعتها مع أواخر التسعينيات، هن/ وهم من كتبوا ضمنا وقائع مروا بها.
مهمتي أن أحفظ حقهم في رواية حكايتهم، هناك أمانة أفرغها تدوينا بحرص ومسؤولية حتى لما أتبعت كتبي عن سيرهم، جاءت مقدماتي قارئة مفسرة لمعطيات ظروفهم، وسياق زمانهم، الذي بدوا فيه متجاوزين راهنهم لم يكتفوا – يكتفين بالتفاعل النمطي بل أعلنوا تمردهم، تجاوزوا العزلة، قرروا مجافاة الصمت والانكفاء والتردد!.
■ صوت «حارسة الذاكرة»: تصفين نفسكِ بـ«حارسة الذاكرة»، وهو دور فلسفي عميق. ما هي المسؤولية الأخلاقية التي تفرضها عليكِ هذه المهمة، خاصة عند التعامل مع هشاشة المرويات الشفهية وخطر تحريفها؟
أخشى أن مسمى «حارسة» يصنفني كمحتكرة وحاجبة لمن يشرع في العناية بذاكرتنا الوطنية كدور وواجب. أذهب في مشروع يتوخى تدوين السيرة المُغيبة والمَنسية، بما هي عليه، التي أعتبرها أمانة ومسؤولية، وفي نهج توثيق الذاكرة الوطنية، حق الاعتراف بالسير البديلة . «البديلة» التي تعني سبر ما يجري مصادرته من «سلطة» سياسية أو دينية، أو مجتمعية تفرض تابواتها.
حين تكتفي وتلزم برواية السيرة بما تبتغيه، وغير ذلك لاغ، ولا اعتراف به ولاحق في روايته، بل قد يصل حجب السيرة حد توجيه الاتهام وتحميل الذنب! الذي ينبغي تعريضه للعقوبة المعنوية نبذا وإقصاء، كما المادية بمنع حق العمل والتنقل، وقيد السجن ومنه سجن بمسمى «البراءة»!. لما طلبت مقابلة السيدة صالحة ظافر عام ألفين وخمسة، صاحبة أول بيان إذاعي بث عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين، كاتبة المقالات الداعية إلى تحرر المرأة بتمكينها من العِلم، والعمل قالت لي من سيسمح لكِ ببث سيرتي؟ ولمن أقولها؟
أنتم «جيل الفاتح العظيم»! وهذا اكتفاء لا يحتاج إضافتي، ولا أضافة سيرة جيلي !،احتجت واسطة أهلها وأقربائها لخلق قناعة أهمية سرد السيرة، ومنها مباشرة، مادام قد أتيح ذلك، هذا الشفاهي كسير بديلة، دونته بحوار مباشر أو بكتابة سيرة غيرية، تحقق في مجمل كتبي: نساء خارج العزلة، خديجة عبد القادر الليبية في بلاد الإنجليز، مذكرات أول مذيعة تلفزيون ليبية، نساء الربيع العربي، وهناك مخطوط جاهز بعنوان : سير ليبية بديلة، أقدمه لهذا الجيل العجول في شكل بورتريهات ببلوغرافية!، وما أنكب عليه حاليا، كتاب بحثي يقارب سيرتهن وأدوارهن في المشهد الثقافي، وكيف أقرأها ضمن سياقات اجتماعية واقتصادية متحولة.
■ التراث ككينونة حية: التراث اللامادي، بطبيعته المراوغة والمتحولة، يفرض تحديات منهجية كبرى. ما هي استراتيجيتك للقبض على هذه الروح الهاربة، وكيف تحافظين على جوهرها في عالم سريع التغير؟
يجدر أن أنوه بأن مجال حفظ وتوثيق ودراسة التراث اللامادي كما المادي، يحتاج شغلا وجهدا مؤسسي، وفق خارطة تنتبه لتنويعاته وفق الجغرافية الليبية، في دول جارة أكاديمية الفنون يندرج تحتها كلية التراث بنوعيه، بل بتخصصات عدة تفصيلية (الجمع الميداني – المعارف والعادات والتقاليد – الحرف والمصنوعات،..) تُخرج الجامعيين، والباحثين، من أصدروا لاحقا الدراسات، والأطالس، والمعاجم . في ليبيا نفتقد لكل ذلك. بذل مركز المأثورات الشعبية بمدينة سبها ما استطاع، وسط واقع ظل يهمش الثقافة الشعبية، حين يمس الأمر الجد والسعي لأجل الحفظ والتوثيق والتوظيف البحثي، د.محمد أحمد وريث يصل بمجلة تراث الشعب عقدها الرابع، المجلة التي نبذتها وزارة ثقافة الحكومة قبلا وبعدا، سأنوه بجهود تبنتها منظمات مجتمع مدني، ومفاعيل أهلية متطوعة، كما جهود برزت في مدينة غدامس، وغات، هون، وزلة وأوجلة.
ولا شك أننا نعاني معضلة الانحياز المعلن، عناية وتوثيقا وتسجيلا متعلقا بالتراث المادي: الآثار والمعمار والمباني فيقع التراث «اللامادي» ضمن مظلومية النظرة المتعالية، على الرغم من كونه أدب وثقافة الناس: أشعارهم، حكاياتهم، أمثالهم، أغانيهم الشعبية، نحن معنيون أفراد ومؤسسات بالتراث بأجمعه، دون ما نشهد من تحيزات.
■ كل مسيرة فكرية تحمل خيطا خفيا يربط بين بداياتها وتحولاتها. في تجربتك يلتقي شغف الأداء المسرحي، مع سؤال المرأة، والتراث، ليغدو الجسد لا مجرد أداة للتعبير بل مدخلا لمعرفة أعمق بمعناه الاجتماعي والتاريخي. كيف تصوغين هذا الجسر بين المسرح والبحث؟
في سؤالك مَنحَيان متعالقان: الجسد كمعرفة، وفي مخزون وإرث الأديان، والحضارات وبها الفنون، تعلنهُ كرابط مشترك وجامع وأثره بيلن، وما أعنيه، في المسرح كمجال أحمل شهادة مختصة به، وكوظيفة بالجامعة، الجسد أداة تشغل حيز التعبير المادي كما الرمزي. مدارس المسرح انشغلت بالجسد وإن على مستويات من الإغريق إلى الرومان، وعند ستانسلافسكي، وبريخت، ومير خولد، وحتى تجارب عربية معاصرة.
وأما سؤال المرأة، فما حجبه وعطله تمركزه على الجسد، العار والعورة! ذهبنا إلى وأد ذلك الجسد ورجمه بالحجارة!. وفي التراث يتمركز النص الشعري كمثال على خطاب الجسد!، في بحثي عن الحكاية الليبية لفتتني الراويات اللاتي استمعت لهن، كن مالكات سلطة الحكي بالجسد، وحواس ذلك الجسد، ممثلات على مسرح «طقس» الحكي، بالإشارة، والإيماءة، إيقاع الصوت، إنكفاء الجسد ونهوضه معبران عن رسالة إلى متلقي معاني ودلالات النص. على ذلك لم أجهد كثيرا في موضع قدمي – إن جاز التعبير- ما يعني الوشائج المعرفية لا الافتراق بين المعنى التاريخي والاجتماعي، وجدتني في حال تواصل بينهما، حين أنقب أو أسبر غور الإنسان وفاعليته في الزمان والمكان.
وعن عبور الجسر: في تجربتي ومحاولاتي، لعلي أقتدي بمن عبرن جسر نهضة وبناء الدولة الحديثة لبلادنا، كانت المناضلة الشجاعة خديجة الجهمي المعلمة، والإذاعية، والشاعرة الغنائية، والكاتبة الصحفية، وقادت بسبق رئاستها للتحرير مجلتي المرأة والأمل (للطفل). وكذا عائشة زريق من نزلت على الأرض، تقابل وتعايش حياة الريفيات المهمشات، ثم تدخل مبنى الإذاعة لتقدم برنامجها، وتكتب عملا دراميا في حث النساء على المعرفة والعمل، تنادي المرأة أن تتمكن من اقتصاد مزرعتها، وملكية قرارها، وممثلة درامية، وناشطة مدنية لأجل دعم نضال شعب الجزائر. ستكتب عن المرأة الليبية على منصة مؤتمر ببيروت والقاهرة. وخديجة عبدالقادر معلمة اللغة الإنجليزية، وعلم المكتبات تلقت دورة بلندن، هي أول كاتبة أدب رحلات (كمرأة) في تاريخنا الثقافي الأدبي، أنجزت بحوثها في تنمية المجتمع وتراث غرب طرابلس، ما نشرته كتابا عن أطروحتها «المرأة والريف في ليبيا»، وهي الأولى في اختصاصها بالمكتبات، وتنمية المجتمع.
النماذج المنسية تتعدد. في تجربتي المسرحية لم استطع إكمال فعلي الفني الإبداعي، كمتخرجة من قسم الفنون المسرحية (تمثيل وإخراج/ الدفعة الثانية في تاريخ القسم والكلية)، ففي عاصمة البلاد حاربت السلطة هذا الفن، صوت الركح يهدد قبضتها، ما ينطق بالرأي ويحرك الأسئلة الراكدة، ما المسرح إن لم تقل كلمتك وتعلن موقفك !،المسارح تحولت إلى قاعات عقد المؤتمرات الشعبية، وملتقيات الخبراء الشعبين!. وحين اهتممت بمسرح الطفل في مدرستي (المسرح المدرسي) كنت معلمة العلوم، وانتميت لمكتب «النشاط المدرسي باللجنة الشعبية للتعليم» وقتها، وبعد عدة دورات مهرجان مدرسي محلي ووطني، لا تتجاوز الثمانية، أعلن المكتب عجزه عن الحصول على ميزانية في بلاد النفط؟!. لاحقا تشاركت والفنان محمد الطاهر، عملا بكتابة المسرحي منصور بوشناف وإخراج أحمد إبراهيم العام 1999م، وحزت به جائزة التمثيل في المهرجان الوطني السادس، توقف المهرجان لأسباب وتبريرات، نتيجتها معضلة أن يستمر تنفس المسرح!.. وبالمحصلة البيئة النابذة الطاردة تظل تقمع وتصادر الفنون، وما بالك بفن المسرح، كصوت حر ينبش في الأسئلة الشائكة، والمعارضة !
■ وصية للأجيال القادمة: للباحثات الشابات اللواتي يخطون خطواتهن الأولى في دروب التراث المتربة والساحرة، ما هي النصيحة الأثمن التي تقدمينها لهن من وحي تجربتك، وكيف يمكنهن تحويل شغفهن إلى مشروع معرفي مؤثر؟
يجدر أن أشير إلى صعوبة المهمة، على ذلك عليهن مواجهة هذا التحدي بإيمان الاستحقاق حفظا لتراث الوطن، واختبار الذات الباحثة لو صح أنها باحثة !،لما خضت مشروعا بحثيا لجمع الحكايات الشعبية بجنوب ليبيا، ظروف صغرى وظروف كبرى، من تعذر إجازة العمل وكنت موظفة، إلى رحلات الطيران المرتبكة في عاصمة البلاد تسعينيات القرن الماضي لواحة البحث، كما تعاطي أهل المكان وقناعاتهم إزاء جدوى المهمة.
وكمثال للعوائق لم أجد دراسة جامعية سابقة بغير تمركز على الأمثال، والشعر الشعبي، فالحكاية غائبة عن بحوث المؤسسة الأكاديمية الليبية!، سمعت من الأقوال المحبطة من مركز ومؤسسة التعلم والبحث، تدفعني إلى عمل بحثي «مكتبي» تتوافر مراجعه ودراسات سابقة فيه! بدل هذا الأدب العامي الشعبي ومن ميدانه!
وهنا الخراريف، تحكيها النساء المهمشات!، كم من إرث غاب واندثر ولم ننتبه للزمن الذي يغيب الذاكرة، حين نتناسى مهمتنا وأدوارنا في حفظها فنصير شعبا بلا ذاكرة!
تعليقات