تابعت كما تابع الكثيرون ببالغ الاستياء اجتماع مجلسي النواب والدولة «لتوزيع المناصب السيادية» في بوزنيقة فقد كان تجسيدا لمفهوم المحاصصة ودولة الغنيمة التي لم تسلم منها حتى مؤسسة القضاء، ضاربين بعرض الحائط مبدأ استقلال القضاء.
ولا يقل استيائي باجتماع الغردقة في 19 يناير درجةً، الذي جمع وفدين أيضاً من مجلسي النواب والدولة فيما يعرف بـ«المسار الدستوري»، بل هو أعظم. فقد وصلت هذه اللجنة إلى قرارات مفاجئة يشوبها العوار القانوني والدستوري. وصلت اللجنة منذ اليوم الأول على اتفاق على إجراء الاستفتاء استناداً إلى قانون الاستفتاء رقم (6)، الذي أصدره مجلس النواب وذلك بعد إلغاء المادة (7) منه وتحصين التعديل العاشر من الإعلان الدستوري.
لقد شاب هذا الاتفاق عدة أوجه عوار جوهرية أولها، أن المجلسين قد تعاملا مع الدستور كصفقة سياسية. ولعلنا نذكر بأن الدستور ليس وثيقة لتكريس اقتسام السلطة اقتساماً استئثارياً إقصائياً والمحاصصة وتوزيع المزايا بين الفئات المتصارعة. ولا ينبغي أن يكون الدستور أداة لاقتسام المتنازعين السلطة اقتساما حصريا بينهم على حساب بقية ممثلي الأمة. كما لا ينبغي أن يكون الدستور وسيلة لدسترة الخلافات بمعنى تكريسها وإلباسها لباساً قانونياً وإجبار الأمة الليبية على أن تتلظى بلهيبها لحقبة قادمة كما حصل في بلدان أخرى.
إن مسعى استعادة الروح الدستورية الرضائية والرؤية التي ينطلق منها يتيح للجميع أن يخرجوا رابحين. وذلك يستدعي تجنب مقاربة المغالبة.
وقد سجلت استغرابي من ترحيب بعثة الأمم المتحدة بهذا الاتفاق المعيب. فإقرار الدستور ليس مجرد حادثة سياسية عابرة أو موضوعاً للقطة إعلامية لتمرير صفقات سياسية. فإذا شاب الدستور شائبة الإملاء من أصحاب السطوة، وشائبة الإذعان من المفتقرين لأسباب القوة، فإن ذلك معناه أن الدستور نفسه قد تحول إلى أداة لتكريس القمع وإدامته وتدثير ذلك القمع بدثار قانوني.
ثانياً: لقد شاب هذا الاتفاق العوار القانوني والدستوري. فقد نص الاتفاق على تحصين إجراءات باطلة، متجاوزين فيها اللائحة الداخلية لمجلس النواب التي تنص صراحة على ضرورة وجود نصاب بمئة وعشرين صوتا لتعديل الإعلان الدستوري، وهو ما نعلم جميعا استحالته لتشظي البرلمان وفشله في إعادة الالتئام. ولذلك هذا الاتفاق جوهره العوار لمخالفته روح القانون والمبادئ الدستورية.
إن مسلك المجلسين في هذين المسارين يجعلانا في ملتقى الحوار السياسي حريصين على ضرورة التزامن في خطوات عملنا حسب خارطة الطريق؛ لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية مع تغيير السلطة التشريعية عبر الانتخابات في موعدها، 24 ديسمبر 2021، ووضع ضمانات حقيقية لإنجاز الانتخابات في موعدها المقرر لها. فالهدف الرئيسي للمرحلة التمهيدية هو تعزيز الشرعية السياسية عبر الانتخابات على أسس دستورية. ومخرجات برلين وقرار مجلس الأمن رقم 2510 يؤكدان ضرورة إعادة هيكلة السلطة التنفيذية وإجراء الانتخابات، وليس الواحدة دون الأخرى. قد نجح ملتقى الحوار السياسي كجسم تأسيسي في مهمته الأولى وهي إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، وذلك بفصل الحكومة عن المجلس الرئاسي ووضع اختصاصات لكل من الجسمين ووضع آلية لاختيار ممثلي السلطة التنفيذية. ويعتبر ذلك تعديلاً للاتفاق السياسي الذي هو حسب بعض القوى السياسية والمجتمع الدولي مضمناً في الإعلان الدستوري. ولذلك مع إقرار السلطة التنفيذية في الأسبوع المقبل في جنيف من قبل ملتقى الحوار السياسي لابد من وضع ضمانات حقيقية من الآن تضمن التزامن بين اختيار السلطة التنفيذية والبت في القاعدة الدستورية وقانون الانتخابات.
يفترض الآن أيضا أن يقوم مجلس النواب بعد اتفاقه مع مجلس الدولة بإجراء تعديل الإعلان الدستوري بالنصاب القانوني المطلوب حسب لائحة مجلس النواب الداخلية وذلك قبل انقضاء المدة المحددة في خارطة الطريق وهي 60 يوما من بدء المرحلة التمهيدية، التي حسب بعثة الأمم المتحدة بدأت منذ انطلاق الأعمال القانونية وتنتهي المدة في يوم 19 فبراير.
في حالة فشل مجلس النواب في الالتئام وتحقيق النصاب القانوني للقيام بتعديل الإعلان الدستوري في غضون ثلاثة أسابيع حسب خارطة الطريق من الآن، فإن أمر البت في الإنجاز الدستوري والتشريعات اللازمة، أي قانون الانتخابات سيؤول إلى ملتقى الحوار السياسي.
وقد خول الملتقى اللجنة القانونية بإعداد مقترح أو أكثر للترتيبات الدستورية، فهي جهة الاختصاص حسب الإطار القانوني المنظم لعملها الذي تم وضعه يوم 21يناير. ويفترض هذا ما سنستكمل مناقشته في الجلسات المقبلة.
إن التسويف الذي يقوم به بعض الأطراف السياسية بالإصرار على إجراء الاستفتاء قبل الانتخابات والذي كان رئيس مفوضية الانتخابات قد صرح بصعوبة إجرائه في هذه المرحلة، سيكون من شأنه تعطيل الترتيبات المؤدية للانتخابات في موعدها المقرر له في خارطة الطريق، وهو 24 ديسمبر.
لا يجب أن يقبل أي تسويف للمسألة، فقد انطلق القطار ولن نتوقف عن مسارنا حتى نصل إلى وجهتنا وهي الانتخابات في موعدها، المقرر لها في 24 ديسمبر. ولذلك مع إقرار السلطة التنفيذية في الأسبوع المقبل في جنيف من قبل ملتقى الحوار السياسي:
أولاً: لابد من وضع ضمانات حقيقية تضمن التزامن بين اختيار السلطة التنفيذية والبت في القاعدة الدستورية وقانون الانتخابات.
ثانياً: على من يتم اختيارهم في الأسبوع المقبل على رأس السلطة التنفيذية (الحكومة والمجلس الرئاسي) التعهد بتذليل العقبات أمام الانتخابات حتى تتم في موعدها آخر العام، لا تسويفها، وإلا سيكونون مغتصبين للسلطة.
علينا جميعاً أن نتذكر أن دورنا الرئيسي كملتقى للحوار السياسي هو، resetting، إعادة الشرعية للأمة الليبية باعتبارها صاحبة السلطات، وضمان تجديد الشرعية وهو ما يعني أن تكون جميع الأجسام التمثيلية والسيادية الجديدة منبثقة عن إرادة الأمة الليبية.
ـــــــــ
مقالات للكاتب:
- كيف يمكن أن تساعد السردية الوطنية لليبيا في بناء السلام؟ (1- 4)
- جبريل .. رجل الدولة والإنسان
- حول الظلم والتمييز ضد اليتامى وأبناء الفئات المهمشة (1-2)
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات