راده أكبر.. فنانة أفغانية في مرمى الخطر

الرسامة والمصورة الأفغانية راده أكبر في صورة التقطت لها في 20 يونيو 2021 في كابول (أ ف ب)

راده أكبر فنانة أفغانية تستوحي أسلوبها من المكسيكية فريدا كالو، فيما تشكل البورتريهات الذاتية التي تنجزها وسيلة للتعبير عن الاستقلالية في مجتمعها الأفغاني المحافظ.

غير أن كفاح هذه المصورة والفنانة لإعلاء شأن النساء في بلادها دونه مخاطر جمة، وفق «فرانس برس».

واستهدفت الاغتيالات منذ سبتمبر والإعلان عن انسحاب القوات الأميركية أكثر من 180 شخصًا، بحسب وزارة الداخلية، بينهم قضاة وجامعيون وصحافيون ونشطاء وشباب مثقفون خصوصًا نساء، أي باختصار أناس يشبهونها.

حتى ملابس راده أكبر (33 عاما تعكس طموحها إلى أن تكون جزءا من سلالة بطولية بين شخصياتها ملكات مؤسسات وشاعرات ونساء قويات، تصحيحا للنظرة الغربية التي لا تزال تضع النساء الأفغانيات في مرتبة الضحايا.

وتشدد الفنانة على أن «تاريخ المرأة الأفغانية لم يبدأ في العام 2001»، مع التدخل الأميركي. وتضيف: «لدينا ماض طويل وغني ساهمت فيه النساء دائماً، بصفتهن ملكات أو مقاتلات».

وتذكر تحديداً في هذا الإطار الملكة جوهر شاد التي حكمت في القرن الخامس عشر، ونقلت عاصمة الإمبراطورية التيمورية من سمرقند إلى هرات في غرب أفغانستان.

رجمت
تحرص راده أكبر منذ ثلاثة أعوام على أن توجّه كل سنة تحية إلى هاتيك النساء، في اليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس، من خلال معرض تجهيزي تقيمه في أحد القصور الملكية السابقة في كابول.

في العام 2020، ألبست راده أكبر ثماني دمى عرض فساتين تذكر بشخصيات نسائية بارزة، بينهن مثلا مخرجة سينمائية ولاعبة كرة قدم، وفي إحدى زوايا القاعة عباءة متسخة من الشاش تحت وابل من الحجارة تخليدا لذكرى رخشانه التي رجمتها حركة طالبان بالحجارة بسبب هروبها من زواج قسري.

لكن الفنانة ارتأت تنظيم المعرض هذه السنة عبر الإنترنت، على موقع متحفها الافتراضي الذي يحمل اسم «ابارزانان» بالفارسية (اي «سوبر ويمن» بالإنكليزية أو «نساء خارقات»)، بسبب التهديدات الصريحة التي تلقتها. وأمام مجموعة من الكراسي الفارغة المغطاة باللون الأبيض، تمثل الغائبين، تعدد راده أكبر أسماء الضحايا.

وتلاحظ أن حركة طالبان تنفذ عملية تطهير عشية الانسحاب الكامل للقوات الأميركية والغربية من أفغانستان. وتقول: «هدف (طالبان) ليس قتلنا فحسب، إذ لا يوجد الكثير منا بل إسكات الجميع»، معتبرة أن فحوى الرسالة هو «استمر وستُقتَل».

وكمعظم أصدقائها، قللت راده من تحركاتها وأوقفت كل أنشطتها الروتينية الثابتة المواعيد، وتقول: «علينا أن نبقى على قيد الحياة وإلا فما الفائدة».

تعيش الفنانة بمفردها منذ عشر سنوات في شقتها، وهذا ليس شائعا جدا في بلدها، وتحظى بدعم عائلتها. فوالدها الذي توفي كان كاتب مقالات صحافية، أما والدتها فمعلمة، وكانا دائما يدعمان بناتهما الخمس بينهن شقيقة راده، شهرزاد التي تترأس الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان.

وتقول راده: «كان هذا أمرا شائعا في جيل والدي. لم يكن المجتمع محافظا إلى هذا الحد». ومع ذلك، يتحدر والداها من إحدى قرى جوزجان في شمال البلاد، وهي ولاية أمير الحرب الأوزبكي عبد الرشيد دوستم.

فقدت الأمل
وتذكر أن «النساء كن يتمتعن بقدر أكبر من الحرية في الماضي، لكن كل ذلك تغير مع وصول المجاهدين»، وهم أمراء الحرب الذين حاربوا السوفيات أولا باسم الإسلام في ثمانينات القرن العشرين قبل أن يتقاتلوا بدافع من مصالحهم ومصالح الدول التي ترعاهم، ومنها الولايات المتحدة. وتلاحظ أن «صورة النساء الأفغانيات الآن هي صورة نساء يضعن البرقع ويتعرضن للعنف باستمرار».

وترى في المقابل أن الصورة بعد 20 عاما من الوجود الأميركي تتمثل في أن «يتحدث الشخص بالإنجليزية، وأن يلبس على النمط الغربي لكي ينظر إليه على أنه عصري». وتضيف: «ثمة هجوم على ثقافتنا.. إنه شكل آخر من أشكال الاستعمار».

لكن ما يثير غضبها قبل كل شيء هو الأجانب والدبلوماسيون والصحفيون الذين يسألونها هل تشعر بأنها «تعبر حقا عن المرأة الأفغانية».

وتعلق على ذلك، قائلة: «إنه بمثابة عدم احترام وإهانة، كما لو أن قيمي وطريقة حياتي ليست ملائمة، وكما لو أنني لا أنتمي إلى هذا البلد». وتقول: «إنها طريقة للتعاطي معي على أساس أني عقبة في طريق عملية السلام».

منذ الاتفاق الموقع في فبراير 2020 بين طالبان والولايات المتحدة والذي يضمن الانسحاب «غير المشروط» للقوات الأميركية (الذي حدد 11 سبتمبر موعدا له)، تشعر الفنانة وأصدقاؤها خصوصا النساء منهم بأنهم تعرضوا للخيانة.

وتشكو قائلة: «لا توجد أي ضمانة للحفاظ على الحقوق التي حصلنا عليها. هذا الاتفاق خيانة تضفي المشروعية على طالبان». وتعترف راده بأنها «فقدت الأمل». وتقول: «لقد ولدت ونشأت في الحرب.. منذ أن كنت طفلة، ناضلت دائما من أجل حقوقي، كما علمنا والدي».

لكنها ترى أن «الاستمرار في الأمل بات صعبا اليوم، فكل يوم قد يكون الأخير. وليس هذا شعوري وحدي فحسب بل لدينا جميعا الشعور عينه. ماذا سيحدث غدا، هل سأبقى على قيد الحياة.. أثر ذلك على تركيزي وقدرتي الإبداعية، فمثل جميع الأفغان، أخاف من المستقبل».

المزيد من بوابة الوسط