صلاح بلحاج.. متاهة الجسد وعقدة الاعترافات المؤجلة

الفنان صلاح بلحاج مع بعض أعماله (بوابة الوسط)

يقتفي الفنان صلاح بلحاج في سردياته اللونية السهلة الممتنعة، أبعاد الصراع الإنساني، عبر نماذجه داخل البيوت والشوارع، والمناخ الحياتي العام، حالة من الانعكاسات السيكولوجة، تتفجر بفعل تسرب الفوضى وتشكلها في الشخوص لتصبح ذائبة في قوام كينونتها، متحكمة في تفاعلاتها الداخلية.

ويربو جدار التيه متجاسراً في تمهويهات الأماكن، ويلبس ملامح أبطاله خطوطاً وتجاعيد وإدراجات من تباينات حبر الريشة لا تروم على استقرار، كما لاتخضع لديناميكية مألوفة التفاصيل، مزيج الثبات والحركة يطيح بكل محاولات التكهن بمآلات نماذجه المشوشة الملامح والساربة في طريق المجهول.

طالع: محمد الأصفر: الهوية في مدونة النص المفقود

المجهول الذي يتراءى للرجل المعاق المنشغل بإنقاذ نفسه من السقوط بحركة اليدين مترجمة مجابهة العجز، تماماً كما يفعل عازف بيكاسو الكئيب لمقاومة البؤس بالموسيقى، نلمح أيضاً سيدة الشرفة بقميص أحمر وتنورة زرقاء تحاول هضم الملل والألم الذي تعكسه الألوان، ووجهها الذي يبحث عن إشراقة ما في الأفق، كما ينكمش الجسد العاري ذو الوجه المشوه بمرموز سوريالي نافراً بحركته المنحنية من شراسة واقعه المأزوم.

تبدو هذه الفواصل إرهاصة لكتل لونية يكتنفها القلق في شوارع وغرف وأزقة مدينة تغزوها الغربة رغم مجاميعها البشرية، المتجاورة بأجسادها لكنها تغيب مبتعدة في عوالم ذاتها الممزقة، كتل يقلها (الباص) أو تصطف في طوابير، واخرى تنشد ممشى خارج هذه الأسوار، وهي في ذلك تختفي خلف (ماسك) نفسي نسيجه إيقاعات الجسد ومعطيات الموقف، الأول بردود أفعاله، والأخير الذي يسوق الحالة إلى مشاهد من صراعاتها مع مجتمع يغرق في الفوضى.

تتجمع اللوحات أو مجمع الحالات في فضاء منمنمي يضم طقوسها النفسية وتعابير أجسادها لتشكل رسماً لحكاية المدينة المتوشحة بالكآبة، وكأنما أرادت من ذلك الإخبار عن خفايا وكواليس نصها الضائع، وتبقى رغم أضمومتها مشدودة لحالتها المزمنة في إزاحة الكدر يقيدها حبلها السري الخفي (الخوف) كتيمة تنازع كل انعطافاتها وهي تنشد بارقة الخروج.

تظل الألوان الضابط الموسيقى لهذه الجوقة، بتأثيراتها ودلالاتها على الشخوص والأماكن، إذ تمر إيحاءاتها الرئيسية عبر بوابات ثلاث (الأزرق، الأصفر، الأحمر) تتوزع في اللوحات بين اللمعان والخفوت، راهنة الريشة بتجليات المخيلة وهي تستنطق دفائن أبطالها، لذا سيتواطأ الثلاثي مع الطقس الجنائزي، متشابكاً مع إحداثيات الحكاية، المفسرة لمحنة الوقوع في قبضة التشوه، وهوما يلحق تفاصيل سرديات «جميلة والوحش»، أحد التراكيب اللونية المتناسلة من نثريات قاع المدينة النائمة المستيقظة على وقع صراعها مع المجهول لتنسحب في موازاتها الحسناء إلى ركن قصيي، تلوذ بالصمت فراراً من التوحش، الذي يسير بسحنته الزومبية إلى تخوم الجحيم، وستصبح المقابلات اللفظية، محصلة عليا لكل العلائق الراسية في عوالمها الخفية (الفراغ، العزلة، الألم)، وكذا الجمل المعلقة، والاعترافات المؤجلة في لغة العيون.

جميلة كمرموز أنثوي والوحش المختبئ في ثنايا التأويل، المترادف مع متاهة الأجساد المتسكعة، الهائمة على وجهها في بيداء العبث، وهي تسوقنا إلى مقابلات الجمال والقبح، الوضوح والغموض، السعادة والحزن، الأمل واليأس كسمة غالبة على مقاطع هذه الثنائية، التي ستنحو أيضاً إلى التراصف للبوح بطلسمها الدفين والتحرر من عقدة الاعترافات المؤجلة.

قاع المدينة وجميلة والوحش يدفعان معاً فضاءات الرؤى إلى نسختها الخام (البياض والسواد) كمرجعية أولية تحولت في نضجها الدلالي من الإلماحات البسيطة إلى مقاربات فلسفية تكاشف مفازات المواجهة الأزلية بين النور والظلام.

من أعمال الفنان صلاح بلحاج مع (بوابة الوسط)
الفنان صلاح بلحاج (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان صلاح بلحاج مع (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان صلاح بلحاج مع (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط