محمد الأصفر: الهوية في مدونة النص المفقود

محمد الأصفر (الإنترنت)

تتفلت اللغة في سرديات الكاتب محمد الأصفر من مجال النسق الانضباطي إلى قرائح تمور هائمة في نسيج مدونتها الخاصة، رامية بكل طقوس الحذر والتكلف، تمضي مبعثرة فلسفتها المتفجرة بالعفوية والجرأة، ممهورة بمزيج الصدام والتراجع، وهي في ذاك تنشد صنع ذاكرة متحررة من عقدة الاختيار.

في روايته «تمر وقعمول» نرى لهذه اللغة إبحاراً يجاري ذاكرة مشغولة بإعادة تكوين مفرداتها باستبدال منابتها الشمسية في مواطن التمر (ليبيا) بأخرى متوشحة بالثلج (ألمانيا)، يشدها خيط رفيع من بواقي موسيقى ارتسمت في خلفية هذه النقلة كجدارية تختزل ملحمة الهجرة (موح النخل خطر عليا بلادي.. ياريتني وليت مني غادي) ص1، يمضي هذا الإيقاع كشحنة من وميض أسطوري يرافق الراوي وهو يناظر كنه مفازة ليست وادعة في صميم مخيلته ولامنتمية لنسيجها السالف، لذا كان لابد من البحث عن ممر يوصلها إلى نقاط تموضع تخفف من قوة الشحنة لصالح هسيس قائل (لم أجد نخيلاً في المكان الذي لجأت إليه ..عليا أن أجد نخيلي بطريقتي) ص1، ومع ذلك يسعف الذاكرة الوليدة أحياناً بترياق يصلها محمولاً على أجنحة القادمين من مكامن البدايات ناطقا بكلمة السر(انست ياولد بلادي).

طالع: صدور «تمر وقعمول» لمحمد الأصفر

ينهض السرد على مفاصل ثلاث، ينشغل في إرهاصاته بسبك عجين ذاكرة وليدة، ويتحول في اختمار التجربة إلى صراع كينونة تنحو لرسم وجودها مع الهوية القارة، وهي مسكونة في أعماقها بتحسس آثار الجذور واستحضارها في صور من الاشارات والمواقف.

النخل والتمر كمرموز أولى للذاكرة ثم للهوية في مرحلة لاحقة، يقدمان نسختها المبتورة أو نصفها الغائب ، فالبطل الراوي يحاول ايجاد صيغة لفهم شيفرة البر الأروبي، وهنا يبدأ صراع ملحمة الوجود تثبيتاً لكينونة رضيعة وتواصلاً مع صدى إيقاعها المتوسطي الذي تتراء صوره خلف (جبال الثلج ).. حيث (الفندق البلدي، سوق الجريد، البركة) ص7، غير أن السواند كانت جاهزة لتقليص حجم الفجوة، فموشي اليهودي نزيل دار المسنين أصيل مدينة الملح (بنغازي) سيصبح بأغاني المرسكاوي توأام الراوي في حكاية القدر التي قادت الأول إلى فلسطين والثاني إلى ألمانيا، (حقاً لاشيء يعيد الأوطان الضائعة سوى الحكايات) ص20.

كما أن موشي لامس في سفره المضاعف إلى المانيا قدسية العلاقة مع مسقط الرأس (لبيبا) باحثاً عن ذاته الضائعة التي لم يجدها في بلد الزيتون ولاحائط المبكى، وسيصبح القعمول في سيرة موشي الثلجية سفيراً لجينات الذاكرة العابرة للزمن، مكوناً مع مرادفه التمري شكلاً أيقونياً لهويتهما الجامعة وهي تخوض مغامرت اللجوء بكل تناقضاتها.

طالع: بشار شقليلة: الطوارق.. هسيس الصمت والصخب

بين تأثيث الذاكرة وصراع الهوية، تبدوالحاجة ملحة ربما لإعادة تلييب الحالة الموشية بتزكية اجتماعية وسياسية في الوطن الأم كتعبير عن استكمال تجربة النص المفقود، بيد أن انتعاشتها في الزمن الحرج، كان لها أن تخلص لمسارها البنغازي دون تكلف يبالغ في تلييبها، ومع ذلك يحسب لها طابعها الحالم بالجدور حتى وهو يغازل زوجته الالمانية فراو أنجيلا (أه لو تمتلكين اللهجة البنغازية ستتذوقين معنى الغناء المرسكاوي،والعلم، وضمة القشة) ص22.

وبالتناوب الزمني بين تجربتي الراوي وموشي تبرز مسألة العودة للجذور كظفير يتماهى مع، ارتدادات النسقين، تراوح انعكاساته بين اندفاع موشي مشدوداً بروح المكان وسحر القعمول الذي (كان شوكه ينغرز في لحمه وشعوربالسعادة لوخز يذكره بالوطن )ص63، في مقابل الراوي الذي بقى يعايش صراعه مع الملح في الفضاء الاوروبي (ستتواصل المعركة بيننا لعلنا ننجح في جذبه ذات يوم أوينجح هو في اقتلاعنا من هنا والعودة بنا إلى سبخته النقية)ص94.

لذا تصبح الرؤيا في مدونة النص المفقود منحازة في شطريها إلى توثيق بصمات الذات الراحلة في سياقاتها المزدوجة هجرة وعودة، اذ ينهض النخل ممتاحاً من لغته في مدارات الثلج، ويشق القعمول التراب الاحمر مسترجعا هويته الفقيدة، كما سيكون شاهداً على مراسم الأفول لكينونة استسلمت لإغفاءتها الأخيرة وقد عثرت على فردوسها المفقود (يرحل العم موشي ويفرك صديقه الليبي القعمول على القبر، بعضه انغرز في تراب القبر والبعض الآخر ساقته رياح القبلي) ص110.

لوحة تعبيرية (الإنترنت)