بشار شقليلة: الطوارق.. هسيس الصمت والصخب

من أعمال الفنان بشار شقليلة (بوابة الوسط)

الصحراء، تلك العجينة العجيبة، تدشنها سوريالية جوقة المتناقضات المختبئة في جسدها الناعم الممد على ملحمة الحياة والموت، يتبدد فيها شعاع البصر، إلى حيث تلامس الكثبان السماء، الجميع يبدو مستسلمًا للسكون، ولكن يبقى هسيس ما، هو بمثابة الخط الفاصل بين الصمت والصخب، صوت رجال الطوارق وهم يناجون جمالهم.

الطوارق فهموا وتشربوا طبيعة المناخ القاسي للمكان، ورسموا على جسده أحاسيسهم و ثقافتهم ولغتهم الخاصة، ودونوا في فضائه أساطيرهم وحكاياتهم.

الفنان بشار شقليلة، رصد عبر الفوتوغراف بعضًا من ملامح تلك العلاقة، التي تسجل طبيعة التحامهم بالصحراء مع رفيقهم الأبدي جمال المهاري.

طالع: رامز النويصري: للأسف النظرة الريعية للعمل الثقافي متوطنة فينا

اللثام مكون أساسي في شخصية رجل الطواق، كما أن اللون وطريقة اللباس، تقدمان تفسيرًا عميقًا لهذا الارتباط، ففي إحدى اللوحات، يعكس بياض اللثام وبساطة وضعيته مع سمرة الوجه، إيحاءً عفويًا بقوة التواصل مع زي يشكل إطارًا رمزيًا للهوية، كما أن المرأة في عالم الطوارق لها زيها الخاص، ونرى في مشهد فوتوغرافي الخلفية السوداء مع الإضاءة الخافتة على الوشاح، ساعدت في وضوح ملامح البشرة، وجمالية الالتفاتة.

ولأن المهري والطارقي، يمثل وجودهما معًا، العامل الأساسي للصمود في وجه العراء، نرى شقليلة يحاول قراءة ذاك التلازم بإزاحة الصورة من مواضع الكلفة واتجه لتتبعهم في مدار العفوية طلبًا لومضة خارج نطاق الترتيب المسبق.

الامتداد اللامتناهي للفضاء الأزرق والبساط الذهبي، قد يغري المخيلة لأخد مشاهد عديدة للطوارق رفقة جمالهم، وسيكون هذا جزءًا من ذاكرة كل منا، الذي سيبحث في أرشيفه الخاص عن صور رآها لهذا العالم، تمثل لديه استراحة زمنية واسترجاعًا للحظات عاشتها المخيلة، والنظر من جديد لتلك اللحظات، كما لو أنها حدثت للتو.

طالع: علي المنتصر.. الصرخة وسحر الثنائيات المنصهرة

وبالاقتراب خطوة أخرى نحو شخصية رجل الطوارق وسلوكه، يبرز محور ارتكازها الأساسي وهو انسجامه الكامل مع نفسه والمحيط ، تقدمه دلالة الجلوس على الرمال بلا تكلف، ما يعني محاورة الطبيعة دون وسائط والامتلاء من قدسية العلاقة بين الإنسان وعنصره المكون (التراب)، واستفاد الفنان في إحدى اللقطات من اللون الرمادي كخلفية كونها تجمع السحب ساعد في أكساب المشهد رسمًا تعبيريًا جميلًا.

وفي سلسلة الطوارق والمهاري والصحراء تكتمل الرباعية بالواحة ثابت الترحال في ذاكرة الرفيقان، وعنصر المفاجئة في مغامرات العطش، وكلمة السر في رحلة البقاء، تظهر الواحة الغارقة في السكون، بفضل صفاء الانعكاس، كما لو أنها تنظر إلى نسختها الأخرى في الماء.

والواحة بتلك المسوَّدة الهائلة من الهوامش تمثل الصندوق الأسود في تاريخ نوازل بحر الرمال، مشفوعة بتواقيع مخيلة عابريها ومن اختاروها ملاذًا، وتبقى هي القاطعة السحرية بين ذاكرتين للطوارق واحدة تتحضر للنزول وأخرى تتأهب لاحتضان الماضي.

إن المكونات الجمالية في أعمال الفنان بشار شقليلة، تستمد ايحاءاتها من وسط ايقاع بصري منسجم في معطياته البيئية والطوبوغرافية، حيث تستطيع إيجاد مجال ضوئي ينقلك بالنظرة المباشرة إلى مقاربات، تتضمن الإحساس العميق بالصورة وطبيعة تكوينها.

إلى جانب ذلك، فحاجة الإنسان إلى الوجود الاجتماعي، مدفوعة بحبه في بقائه وسط فضاء كامل من الحركة والتفاعل، هو ما يجعل الجوانب الفنية في هذه الأعمال لا ينفصل عن مجال الفكرة العامة، وهو تجسيد الحياة في فضاء يجتمع فيه النقيضان السكون والحركة، الحياة والموت.

الفنان بشار شقليلة (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان بشار شقليلة (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان بشار شقليلة (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان بشار شقليلة (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان بشار شقليلة (بوابة الوسط)