رامز النويصري: للأسف النظرة الريعية للعمل الثقافي متوطنة فينا

عبد السلام الفقهي (يمين) يحاور الشاعر رامز النويصري (بوابة الوسط)

يطفئ «بلد الطيوب» الشمعة العشرين من عمره الزمني والثقافي، وبذلك يكون قد كسر عقدة التوقف الملازمة لمسيرة المشروعات الأدبية في المشهد الليبي، وهو ما فرض على الموقع كمنصة إلكترونية جملة من التحديات تتعلق بمدى قدرته على الاستمرار، وسط فضاء تواصلي له جمهوره الواسع «فيسبوك وتويتر ويوتيوب»..إلخ، وكذا الرؤية التي تمنحه فرصة الإضافة في واقع تكنولوجي ومعرفي سريع التطور.

هذه الأبعاد كانت الدافع لحوارنا مع مؤسس الموقع، الشاعر رامز النويصري، وسبر وجهة نظره بالخصوص.

كيف جاءت الفكرة.. رؤية فردية أم جماعية؟
جاءت فكرة الموقع بطريقة غير مباشرة، ففي العام 1999م، كنت أواظب على النشر الإلكتروني من خلال مجلة «أفق» الثقافية، نشرت بعض الموضوعات التي تهتم بالأدب الليبي، فاقترح الشاعر الكويتي محمد النبهان، وهو مدير تحرير المجلة، تحويل هذا التعريف بشكل يستفيد منه الجميع، فبدأت بملفين في موقعي الشخصي «خربشات»، وكنت وقتها أستخدم الاستضافة المجانية، ملف يهتم بالأدباء والكتاب الليبيين، وملف يهتم بالأدباء والكتاب الشباب.

وجاءت الخطوة الثانية بتوزيع استبيان على الأدباء والكتاب الليبيين، مصحوبًا بصورة ونصوص إبداعية، أتولى جمعها وإعدادها للنشر، إضافة لمجموعة من الموضوعات الخاصة بالأدب الليبي والثقافة الليبية، لأقوم في سنة 2000م بحجز مساحة مجانية خاصة بموقع «بلد الطيوب»، ويتم إطلاقه رسميًّا في 22 سبتمبر من ذات العام.

ما الأخطاء التي صاحبت إنشاء الموقع.. والعثرات التي واجهتكم؟
لا أعتقد أنه واجهتنا أخطاء، ربما بعض الأخطاء الفنية، التي تغلبت عليها بمحاولة تعلمي بعض التقنيات الخاصة بتصميم صفحات الويب.أما العثرات، فهي كثيرة ومنذ بداية الإنشاء، خاصة ما يتعلق بتجميع المواد والموضوعات ونشرها على الموقع، إضافة لصعوبات تتعلق بأن العمل على الموقع بشكل شخصي في عدم وجود دعم مالي، كما أن تطور الموقع على مستوى المحتوى والجانب الفني كان بطيئًا جدًّا.

ما معايير النشر بالموقع.. وهل يتم اختيارها بالاتفاق مع الكاتب؟
ثمة سياسة للنشر موجودة ويمكن الاطلاع عليها، المهم في المسألة ألا تكون المادة المراد نشرها ذات طابع سياسي، أو إذا لم تحقق الحد الأدنى من الشروط الفنية للجنس الإبداعي الذي تنتمي إليه. وفيما يخص إعادة النشر، فهو يعتمد على الاستحسان، خاصة فيما يتعلق بالمقالات والقراءات النقدية، وفي العادة يتم هنا الاتفاق مع الكاتب، البعض قد يمنحنا الإذن بخصوص إعادة النشر، وهناك من يعترض ويرفض.

هل فكرتم في الشراكة مع مؤسسات قطاع خاص أو حكومي من باب التطوير والدعم؟
حقيقة هذا ما حدث، في العام الماضي؛ سبتمبر 2019م وقعنا شراكة مع شركة «تاسيلي»، لتقوم بالإشراف الفني على الموقع وتطويره. كنت أحاول بقدر الإمكان ألا يكون هناك تدخل في الموقع، خاصة من جهة تتبع الدولة أو الحكومة، لذا لم أطلب أي دعم، ولم أتوجه لطلبه، كان يهمني أن يتمتع الموقع باستقلاليته وحياديته بعيدًا عن أي تدخل، وهو ما ناقشناه كثيرًا مع «تاسيلي».

هل يوجد تعاون مع مواقع عربية فيما يخص تبادل الموضوعات للتعريف بأدب البلدين؟
نعم، وبشكل كبير، وحتى مع جهات ذات طابع ثقافي، هذا إضافة للكثير من الطلبة والباحثين في مجال الأدب والترجمة، الذين يقومون بمراسلة الموقع للحصول على بعض المعلومات، أو الكتب، أو التواصل مع الأدباء والكتاب في ليبيا. 

لمنصات التواصل ميزة التفاعل المباشر مع القارئ والنشر على نطاق واسع.. ما الميزة التي توفرها المواقع المتخصصة للكاتب؟
ما يميز المواقع المتخصصة عن غيرها، هو ضمان عدم ضياع النص في زحمة التحديث المستمر للمنشورات، بالتالي عند الحاجة يمكن الوصول بشكل سريع وسهل للنص المنشور.
هذا دون أن نغفل ما توفره هذه المواقع من حضور لمهتمين ومتخصصين في ذات المجال، بعيدًا عن زحمة وغوغاء منصات التواصل. 

كما يوفر ذلك الفرصة للتعارف بشكل أفضل، والتعرف إلى الإنتاجات الأدبية والإبداعية، هذا إضافة للتفاعل بين المهتمين سواء كتاب أم قراء. المواقع الأدبية المتخصصة، واحة توفر كل ما يحتاجه الأديب والكاتب والمهتم، بعيدًا عن صخب وضجيج منصات التواصل التي من السهل الضياع فيها.

هل يراودكم هاجس توقف الموقع بسبب ظروف ما.. أم أن هناك عمرًا افتراضيًّا لابد من تقبله؟
نعم، وهو هاجس يؤرقني بشكل كبير، فأنا أريد لهذا المنجز أن يستمر، وهو من أسباب شراكتنا مع «تاسيلي»، من أجل أن يتحول الموقع إلى مؤسسة ثقافية، لها كيان مادي، وبالتالي نضمن الاستمرار، دون أن يكون الأمر مرتبطًا بأفراد.

«الطيوب» يمثل تجربة في العمل الخاصوربما مارستم العمل في المؤسسات الحكومية.. كيف يمكن المقارنة؟
العمل الثقافي من المهم أن يكون مستقلًا حتى يكون نافعًا ومنتجًا، ووجود مؤسسة ثقافية تتبع الحكومة أو الدولة يجعلها خادمة لها، وملبية لرغباتها ومنفذة لسياساتها، وهو أمر في رأيي يضر بالثقافة والعمل الثقافي، ويحول المثقف إلى تابع.

ليست لي تجربة للعمل في المجال الثقافي الحكومي، إلا من خلال التعاون لا أكثر.. وللمقارنة وتأسيسًا على ما تقدمت به، فإن العمل الثقافي المستقل أكثر فائدة وأرحب في العمل وحرية اتخاذ القرار،الأمر الذي يجعل العمل يمضي في مساراته بشكل بسيط وسلس.

أطلقتم أخيرًا جائزة «الفقيه في الرواية».. كيف جاءت الفكرة.. وما آلية التقييم؟
هي فكرة قديمة، وكان الموقع أطلق جائزة في الشعر والقصة بمناسبة مرور 5 سنوات على تأسيسه، لكن لعدم وجود الدعم انتهت بنشر المشاركات في كتاب إلكتروني.

بعد شراكتنا مع «تاسيلي»، قمنا بإحياء الفكرة، وقامت الشركة مشكورة بدعمها وتبنيها، وستكون هناك جوائز بشكل دوري في أكثر من مجال، وتعتمد آلية التقويم على مرحلتين، في الأولى تم إخضاع المشاركات لشروط الجائزة، ثم قراءة الأعمال للوصول لقائمة الترشيحات، وفي المرحلة الثانية ستتم قراءة ومراجعة الروايات المشارِكة للوصول للرواية الفائزة، التي سيتم طباعتها.

ما تصوركم المستقبلي لـ«بلد الطيوب»؟
نطمح أن تتحول الطيوب إلى مؤسسة ثقافية، لها كيان وحضور ومجموعة من المشاريع الثقافية، التي ننتظر أن تعرف البلاد بعض الاستقرار حتى نشرع في تنفيذها.

على صعيد نتاجكم الإبداعي.. وربما أكون مخطئًا تبدو مقلًا؟
ببساطة، العمل على الموقع يستهلك الكثير من الوقت، خصوصًا بعد أن أصبح بشكل يومي منذ العام 2016م. ومع ضغط العمل والتزاماتي الأسرية، والوضع غير المستقر للبلاد، انعكس ذلك على عملي الأدبي.

هل مازلت تكتب الشعر وننتظر قدوم إصدار جديد؟
نعم، فهو جزء لا يتجزأ من حياتي، وبإذن الله هناك إصدار شعري أنتظره في القريب إن شاء الله.

أنت تكتب الشعر والقصة والنقد، ولكن أيها رامز النويصري؟
كلها رامز النويصري.

أنت تمارس الفعل الثقافي عبر إعطاء دورات في لغة المعلوماتية.. هل تحاول هنا تجاوز النظرة الكلاسيكية للكاتب أو المثقف؟
التواصل الاجتماعي جزء حياتي مهم، وهو مستقبل البشرية القريب، وعلينا أن نعي هذه الحقيقة للتعامل معها، وتطوير أنفسنا حتى لا نصدم ونقف عاجزين عن مواكبة العالم.

البعض قد يعلق الفعل الثقافي بوجوب الدعم المؤسساتي.. هل يعكس ذلك عجز الكاتب ويرى في الدولة مشجبًا لتعليق فشله؟
للأسف النظرة الريعية للعمل الثقافي متوطنة فينا. العمل الثقافي من المهم أن يكون مستقلًّا، ولابد من منظومة اقتصادية تشجع دعم المشاريع الخاصة، الأمر الذي يحول الثقافة إلى استثمار، بالتالي لا يعود المثقف محتاجًا للدولة، لأن هناك أكثر من مصدر.

أشرت في إحدى الندوات إلى أن الأجيال الشابة تعيش حالة ضياع بسبب غياب كيان يمثلها، وهو راجع لأن آباءهم أيضًا كانوا بلا أعشاش؟
نعم، الكيان الأدبي في ليبيا على مستوى الكتاب والأدباء، كيان منفصل على مستوى المجايلة، متصل على مستوى التواصل الإنساني.

أصدرتم مجلة «الفصول» بنسخة إلكترونية.. كيف رأيتم تفاعل الكتاب معها.. وهل نرى قريبًا إصدارًا ورقيًّا لها؟
للأسف لم يتفاعل الكتاب بالشكل المطلوب معها، وذلك لأسباب لا يسمح المقام بذكرها، مما انعكس سلبًا وصار تجهيز العدد أمرًا مرهقًا ومتعبًا ويستهلك الكثير من الوقت.

نتمنى أن نتمكن من طباعتها، فالوعود التي قدمتها المؤسسة الثقافية لرابطة الأدباء والكتاب الليبيين، لم نرها تتحقق على أرض الواقع، التي من بينها طباعة أعداد المجلة.

عبد السلام الفقهي (يمين) يحاور الشاعر رامز النويصري (بوابة الوسط)