Atwasat

قراءات في كتاب «همس الأماكن» تقتفي لغة الصورة

طرابلس - بوابة الوسط الجمعة 05 يونيو 2026, 11:41 صباحا

يولد النص سواء أكان شعرا، أو قصة، أم رواية ومعه سيرة حياة، أماكن وذكريات، مواقف وحكايات، فرح وحزن، يأس وأمل، كما تولد منه الصور شارحة للمشاعر والأفكار وملامح لإجابات أسئلة مستترة وصريحة، وبالتالي تعتبر كل قراءة هي محاولة لفك شيفرة من شفرات اللغة الذائبة في السرد السابح في فيض من الاشتباكات مع الذات والواقع.

BCD Ad BCD Ad

في ندوة نظمتها الجمعية الليبية للآداب والفنون، الثلاثاء، بالقبة الفلكية، باستضافة من إذاعة طرابلس المحلية عن كتاب «همس الأماكن» للكاتبة الصحفية فتحية الجديدي الصادر عن دار السراج كانت القراءات نابعة في عنوانها الرئيسي من الإشارات السابقة تقتفي أثر الأماكن والأسماء والعناوين بمشاركة الكتاب «يونس الفنادي وعبدالسلام الغرياني وعبدالسلام الفقهي»، الندوة أدارتها الشاعرة والكاتبة سالمة المدني.

أحداث تستوطن الذاكرة
في اقترابه من عناوين النصوص «عرض مكرم السخي» و(قارب الأحلام) ؛ و(تجربة سيدي بوزيد) و(كارمن) و(شارع العوينة) و(نوردو .. وأكوا فيفا وجانا الهوى) يرى الكاتب يونس الفنادي بحسب وصفه اتسامها بالسلاسة والوصف الظاهري العابر الذي لا يغوص بعيداً في تفاصيل الحدث بل ينقله بنَفَسٍ قصيرِ ومفرداتِ لغةٍ رشيقةٍ.

ويضيف: أما مضمون متونها فلم يكن مبرمجاً أو مخططاً له بل جاء عفوياً يرصد أحداثٍ استوطنت ذاكرة الكاتبة وهيمنت فيها الشخصيات والوقائع والأمكنة التي زارتها جسدياً وتنقلت وسطها متأملة عبر كيانها الفكري والعاطفي الوجداني.

الفنادي واصل حديثه مشيرا إلى أن الكاتبة (لم تهدر وقتها في مواضيع ومضامين بعيدة عن حقيقة ذاتها الإنسانية، وغريبة عن روح الأنثى التي تستوطن كيانها الجنسي، وبالتالي جاءت نصوصُها انعكاساً لتلك الذات الحالمة، المتعرية من كلِّ عقد الزيف العاطفي والمجاملات الاجتماعية، التي تسجنُ أحلامَ النفس الشاعرة، وتجهضُ لحظاتِ بهجة للاستمتاع بالحياة). 

وهذا ما نجده الآن فعلاً في إصدارها الجديد (همسُّ الأماكن) حيث استثمرت رحلتها القصيرة وسجلت محطاتٍ اقتنصتها من ثنايا لحظاتها ومواقفها خلالها، في نصوصٍ سرديةٍ يغلب عليها الوصف السردي الظاهري العام للأمكنة التي كانت ساحة أحداث شاهدتها أو عايشتها.

ويكمل الفنادي بقوله «وبذلك جعلت نصوصها تكتسي فاعلية حسيّة وجدانية وفكرية تتجاوز الصورة الطبيعية الجامدة للأمكنة، واستطاعت بها أن تخترق الذات القارئة وتزرع في داخلها بعض التأثر الوجداني والفكري وتقحمها في ثنايا حكاياتها لتجعل منها شريكاً يصفع الصمت ويعانق الأمكنة بروح تأملية تنبض بالحياة، وهذا ما نجد صداه في الإهداء الذي تقول فيه: «ليست الأماكن وحدها التي تحملنا إليها، بل صخبنا معها، وصيغ تكررت مع مفرداتها حتى لو كنا ضيوفاً عليها ذات حين. إلى كل روح لامست أرواحنا. إلى الذين مروا في حياتنا واستيقظت معهم الذكريات. وإلى الذين شاركونا اللحظات فكانت علامات فارقة لذاكرة قادمة بكل ما فيها، وكذلك إلى الذين لم يكونوا معنا .. ولن يأتوا .. لكنهم لم يغيبوا عنا أبداً».

المكان كتابة والصورة شهادة
من جانبه ذكر الكاتب عبدالسلام الغرياني أن «همس الأماكن» تقف على عتبة نوع أدبي خاص، يمزج بين أدب الرحلة والسرد الوجداني والتأمل التفاعلي، لتشكّل فضاءً كتابياً يُصنّف في أكثر من خانة. هذا التمرد على التصنيف هو في حد ذاته علامة على أصالة التجربة وصدقها.

- للاطلاع على العدد «550» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

الغرياني أكد أن الكاتبة لا تكتب عن تونس بوصفها وجهةً سياحية؛ إنما تكتبها كمرآة تعكس عالمها الداخلي، فتتحول الأماكن من خلفيات صامتة إلى شخصيات ناطقة، والرحلة الجغرافية إلى رحلة في أعماق الذات.

وأوضح أن الميزة الأبرز في هذا العمل هي أن الأماكن لا تُوصف إنما تتحدث. الصخر في «قارب الأحلام» يُسائل الكاتبة ويحاورها. كنيسة العوينة تطرح أسئلة فكرية عن التنوع والهوية. والسفينة عزيزة تمنح البراح والحرية. هذه الشخصنة للمكان هي أسلوب سردي متقدم يرفع النص من مستوى التوثيق إلى مستوى الإبداع.

وأشار الغرياني أن الحكايات في (همس الأماكن) تسري تحت سطحها كلها نبضة واحدة: التوق إلى الانتماء. في «أكوا فيفا» تقول صراحة إن المكان لا يروق دون أهل وأصدقاء. وفي «سيدي بوزيد» تجد انتماءها بين الشعراء. وفي «عزيزة» تصنع صداقات تتجاوز حدود الرحلة. الكاتبة تبحث دائماً عن المكان الذي تنتمي إليه، وتجده في كل مرة بصورة مختلفة.

تعتمد الكاتبة لغة تصويرية انطباعية تميل إلى الجملة الطويلة المتدفقة، وكأنها تكتب بإيقاع المشي في الشوارع التي تصفها. وهذا الإيقاع يمنح النص نفَساً خاصاً يُشعر القارئ بأنه يسير جنباً إلى جنب مع الكاتبة.

وإن كان لا بد من تشبيه كما يعبر الغرياني فهذه المجموعة كالألبوم الفوتوغرافي الذي تحتفظ به في درج خاص: الصور ليست كلها بالجودة ذاتها، لكن لكل صورة منها روحاً لا تجدها في أي استوديو محترف.

هذا التوازي بين الكتابة والتصوير هو ما يمنح الكتاب بمجمله طابع الديوان البصري؛ لا هو كتاب رحلات محض، ولا هو معرض صور محض، هو شيء ثالث من التأويل، وهذا هو جوهر أصالته.

نثر الصورة وظلال الأماكن
وفي محاولته الاقتراب من تفاصيل كتاب «همس الأماكن» يرى الكاتب عبدالسلام الفقهي أن الكاتبة فتحية الجديدي تحاول في كل محطة من محطات الضوء رفع القيمة الرمزية للمكان وبث نفس وصفي يحتفي بالحدث وينقل الصورة من قالبها النمطي إلى صيغة نثرية يمتزج فيها السرد بالذاكرة وينتج فيضا روحيا حيث نقلت الكاتبة انطباعاتها عن أماكن زارتها في إحدى زياراتها لتونس، همسات ينظمها خيط رفيع من الوقفات بين الشواطئ والمقاهي ولد تباينها وشائج لأصوات داخلية متناسلة بين النص والصورة هي مجموع إحالات للخواطر والمراجعات الذاتية والأسئلة تحت تأثير اللحظة وسحر المكان.

يرتكز الكتاب إذاً على عناصر الصورة والسرد والمكان وتنهض عناصره على فعل البناء والصوت والذاكرة، أي بناء صور أخرى في خيالنا ناشئة عن أثر داخلي من الصورة الأم بمعنى إعادة تشكيلها بناء على مقارنات بأماكن لها دلالة مرجعية ضمن الإطار الثقافي والوجداني المكون للشخصية، كما يتخلق من السرد الشارح للصورة صوت نثري داخلي يعزز كيمياء التواصل مع روح المكان ومفردات الصورة . أيضا تجسد الذاكرة مظلة راعية للحدث فهي مكمن استدعاء الماضي والموسيقى الناظمة للطقس السفري وتجلياته.

الفقهي خلص في ورقته التي ألقتها نيابة عنه الكاتبة سالمة المدني إلى أن «همس الأماكن» يجمع بين زيارة فيزيائية إلى الأماكن، وزيارة داخلية إلى ذواتنا حيث نستنجد بالوحدة أحيانا أو بتبادل الحديث مع أرواح تشبهنا، هي فسحة جمالية وروحية وبصرية ننصت فيها السمع إلى أصوات غالبا ما تبتلعها ضوضاء نسميها البحث عن لقمة العيش، أصوات تنادينا ولا نسمعها إلا عندما نمارس فعل الهروب من سؤال الهروب.

قراءات في كتاب «همس الأماكن» تقتفي لغة الصورة
من ندوة حول كتاب «همس الأماكن» للكاتبة الصحفية فتحية الجديدي بالقبة الفلكية، 2 يونيو 2026. (الإنترنت)
من ندوة حول كتاب «همس الأماكن» للكاتبة الصحفية فتحية الجديدي بالقبة الفلكية، 2 يونيو 2026. (الإنترنت)
كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
العدد الـ21 من «مجلة الليبية».. تحقيقات اجتماعية وملفات ثقافية تفتح أبواب الأسئلة
العدد الـ21 من «مجلة الليبية».. تحقيقات اجتماعية وملفات ثقافية ...
محكمة هولندية تسمح بإقامة حفلي كانييه ويست رغم احتجاجات المجتمع اليهودي
محكمة هولندية تسمح بإقامة حفلي كانييه ويست رغم احتجاجات المجتمع ...
ماكرون يشيد بإدغار موران في تكريم وطني: «رجل لم يخضع يوماً لمعسكر واحد»
ماكرون يشيد بإدغار موران في تكريم وطني: «رجل لم يخضع يوماً لمعسكر...
وفاة الكاتبة والفنانة الإيرانية مرجان ساترابي مؤلفة «برسيبوليس» عن 56 عاما
وفاة الكاتبة والفنانة الإيرانية مرجان ساترابي مؤلفة «برسيبوليس» ...
«أفضل قراءة كتاب»: كوينتن تارانتينو ينتقد هوليوود المعاصرة بلا مجاملة
«أفضل قراءة كتاب»: كوينتن تارانتينو ينتقد هوليوود المعاصرة بلا ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم