Atwasat

«الدلتونية».. العمى وسيلة لرؤية ما يخشاه الآخرون

القاهرة – بوابة الوسط: فتحي محمود الثلاثاء 09 يونيو 2026, 03:07 مساء

ثمة روايات تبدأ من حدث، وأخرى تبدأ من سؤال، لكن «الدلتونية» لنهلة العربي تبدو وكأنها تبدأ من جرح لا يخص شخصية بعينها بقدر ما يخص مجتمعًا بأكمله، مجتمعًا راكم طبقاته من الخوف والعنف حتى صار عاجزًا عن تمييز ما إذا كان ما يراه أمامه حياة أم موتًا، عدلًا أم انتقامًا، حقيقة أم رواية صيغت بعناية لتصبح هي الحقيقة الوحيدة الممكنة.

BCD Ad BCD Ad

منذ الصفحات الأولى في الرواية الصادرة أواخر العام 2025 عن دار «ليبيا المستقبل للخدمات الإعلامية»، يجد القارئ نفسه أمام مشهد يصعب تجاوزه بسهولة؛ مشهد صادم يضع القارئ في مواجهة مباشرة مع سؤال أخلاقي مؤلم: ماذا يحدث عندما يتحول الجسد الإنساني إلى رسالة؟ وعندما يصبح الموت امتدادًا للعقاب لا نهايته؟.

تتعامل الكاتبة مع الجسد الأنثوي في الرواية باعتباره مساحة تستمر السلطة في استخدامها حتى بعد انطفاء صاحبته. ومن هنا تنبع قسوة المشهد الافتتاحي؛ الذي يكشف كيف يمكن للمجتمع أن يواصل معاقبة ضحاياه، حتى بعد موتهم.

العمى كنوع من الرؤية الناقصة
اختارت العربي العنوان: «الدلتونية»، بوصفها خللًا في تمييز الألوان، تتجاوز اصطلاحها الطبي لتصبح استعارة ممتدة داخل الرواية، حيث العمى هنا نوع من الرؤية الناقصة، أو ربما الرؤية التي اختارتها النفس كي تحمي نفسها من صدمة لا تحتمل، فيصبح اللون الأحمر، بما يحمله من دلالات الدم والحياة والعنف والعار، محورًا رمزيًا يدور حوله النص كله. وكأن الرواية تسأل: هل نعجز فعلًا عن رؤية الأشياء، أم أننا نتعلم تدريجيًا كيف نتجاهلها؟

هذه الفكرة تتسرب إلى معظم تفاصيل العمل، وخصوصًا عبر شخصية «سوف»، الطفل الذي يحمل العبء الأكبر في السرد. ما يلفت الانتباه في هذه الشخصية أن الكاتبة منحتها حساسية خاصة تجاه العالم. سوف يرى أكثر مما ينبغي لطفل في عمره، ويسأل أكثر مما يطيق الكبار الإجابة عنه. لذلك تبدو براءته ملتبسة؛ فهو بريء بالمعنى العاطفي، لكنه يمتلك وعيًا مبكرًا يجعله أقرب إلى شاهد على انهيار عالم كامل.

العلاقة بين سوف وأمه تشكل القلب الإنساني للرواية، علاقة إنسان بأول معنى عرفه للحب والأمان ثم جرى انتزاعه منه بعنف. لهذا تبدو محاولاته للوصول إليها، أو فهم ما جرى لها، محاولة لفهم العالم نفسه. وكلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن ما يحيط به ليس سوى طبقات متراكمة من الأكاذيب والخرافات والتبريرات.

القمع جزء من الوعي العام
وربما هنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الرواية. فهي تقدم القمع الكاشف والمتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية حتى بات جزءًا من الوعي العام، إذن فالسلطة في «الدلتونية»، كما قرأتها، هي منظومة كاملة تتوزع على أكثر من وجه.

ماسين، الأب وعضو المجلس تجسيد لفكرة السلطة حين تقتنع أنها تملك الحق في تعريف الحقيقة للآخرين. ما يقوله يصبح قانونًا، وما يقرره يتحول إلى قدر. لكنه ليس الوجه الوحيد لهذه المنظومة. فماتيا، الجدة، تؤدي دورًا أكثر تعقيدًا وإزعاجًا، فهي تمارس السلطة كحارسة مخلصة للنظام الذي أنتج ذلك القمع. ومن خلال هذه الشخصية تطرح الرواية سؤالًا حساسًا حول الكيفية التي يتحول بها المقهور أحيانًا إلى شريك في إعادة إنتاج القهر.

لا تقع الرواية في الفخ السهل الذي يقسم العالم إلى رجال أشرار ونساء ضحايا. بل تحاول أن تذهب أبعد من ذلك، نحو تفكيك البنية التي تجعل الجميع، بدرجات مختلفة، جزءًا من دورة العنف. ولهذا تبدو ماتيا من أكثر الشخصيات إثارة للاهتمام، حتى وإن ظلت دوافعها النفسية بحاجة إلى مساحة أوسع من التفسير والتعقيد.

أما الأسطورة، فهي الحاضر الخفي في معظم الأحداث، برموزها: شجرة الزقوم، والمختار، والنبوءات، والحكايات المتوارثة، كلها عناصر تؤدي دورًا أساسيًا في تشكيل وعي الشخصيات. والأسطورة هنا هي إحدى وسائل إنتاجها، التي يمكن استخدامها لترسيخ الخوف كما يمكن استخدامها لمقاومته، ويمكن أن تكون أداة بيد السلطة أو سلاحًا ضدها، بحسب من يرويها ومن يصدقها.

كاتب بولندي يكتب جريمته في رواية ثم يُدان بالسجن 25 عامًا
علي عبداللطيف حميدة يفكك «الرواية الاستعمارية» بمجمع ليبيا للدراسات المتقدمة
ريم بسيوني تعيد قراءة سيرة الخديوي عباس حلمي الثاني في «كوم النور

ولعل هذا ما يمنح الرواية بعدًا يتجاوز الحكاية المباشرة. فالصراع الحقيقي لا يدور بين أشخاص بقدر ما يدور بين روايتين للعالم. رواية تريد تثبيت الواقع كما هو، ورواية أخرى تحاول إعادة تفسيره. وبين الروايتين يتحرك سوف باحثًا عن معنى يمكن الوثوق به.

على مستوى الشخصيات، يبدو البناء متماسكًا في معظمه. سوف يحتل المركز بوصفه محور الرحلة، بينما يؤدي سيفاو دور الضمير المعارض الذي يرفض الاستسلام للرواية الرسمية للأحداث. أما شيرا فتقف في منطقة بين الحكمة الشعبية والأسطورة، فيما تظل أسيرم، رغم غيابها الجسدي، واحدة من أكثر الشخصيات حضورًا. فكل ما يحدث في الرواية يكاد يدور حول أثرها، لا حول وجودها المباشر.

مع ذلك، لا يخلو العمل من بعض الملاحظات؛ فشخصية باران مثلًا تبدو أقل تعقيدًا مما تستحقه. انتقالها من موقع المراقبة إلى موقع الانحياز يحدث بسرعة نسبية، وكان من الممكن أن يستفيد من مساحة أوسع تسمح للقارئ بفهم تحولها النفسي والفكري على نحو أكثر إقناعًا. كذلك فإن بعض الشخصيات تؤدي وظائفها الرمزية بوضوح يفوق أحيانًا حضورها الإنساني، وهو ما يجعلها أقرب إلى الأفكار المجسدة منها إلى الكائنات الحية.

لغة الرواية بدورها تتحرك بين مستويين مختلفين. هناك لغة حادة وخشنة في مشاهد العنف والصدمة، ولغة أكثر شاعرية في المقاطع التي تقترب من الطبيعة أو الذاكرة أو التأمل. هذا التفاوت يخدم النص في كثير من المواضع لأنه يعكس اضطراب العالم الداخلي للشخصيات. غير أن السرد يقع أحيانًا في قدر من التعقيد اللغوي يجعله يبدو منشغلًا بإظهار فصاحته أكثر من انشغاله بإيصال التجربة نفسها. وفي بعض المواضع يشعر القارئ أن اللغة تقف بينه وبين الحدث بدل أن تقوده إليه.

أما الحوار العامي فجاء في الغالب منسجمًا مع البيئة والشخصيات، وأسهم في منح العمل قدرًا من المصداقية والحميمية. وقد بدت بعض الحوارات أكثر حياة من المقاطع السردية نفسها، لأنها تركت الشخصيات تتحدث بلغتها الخاصة دون وساطة.

في الثلث الأخير من الرواية يتغير الإيقاع على نحو ملحوظ. فبعد بناء طويل ومتأنٍ للتوتر والصراع، تتسارع الأحداث بصورة قد تحرم بعض التحولات من العمق الذي تستحقه. خطة «المرض الأحمر» وما يرتبط بها من تطورات كبرى كانت تحتاج، في تقديري، إلى مساحة أرحب تسمح بتتبع آثارها النفسية والاجتماعية، لا الاكتفاء بنتائجها. كما أن بعض الحوارات الفكرية، خصوصًا تلك المرتبطة بسيفاو وباران، تقترب أحيانًا من الخطاب المباشر أكثر مما تقترب من الفن الروائي.

كيف تُصنع الذاكرة الجمعية
وعلى الرغم من ذلك، تظل هذه الملاحظات جزئية إذا ما قورنت بالطموح الواضح الذي يحمله العمل، الذي يحاول مساءلة الطريقة التي تُصنع بها الذاكرة الجمعية، وكيف تتحول الأساطير والعادات والخوف المتوارث إلى أدوات لإدارة البشر وتوجيه مصائرهم.

في جوهرها، تبدو «الدلتونية» رواية عن إعادة تسمية الأشياء. عن اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن الكلمات التي عاش بها طويلًا لم تكن بريئة، وأن ما اعتاد تسميته قدرًا ربما كان ظلمًا، وما اعتاد اعتباره عارًا ربما كان حقًا مسلوبًا. ولهذا فإن السؤال الذي يبقى بعد الصفحة الأخيرة متعلقا بمصير المجتمعات التي تتعلم مع الزمن كيف تتعايش مع جراحها بدلا من أن تعالجها.

«الدلتونية» رواية تنشغل بالذاكرة أكثر من الحدث، وبالأثر أكثر من الواقعة، وبما يتركه العنف في النفوس أكثر من العنف نفسه. وربما لهذا السبب لا يغادرها القارئ بسهولة؛ بل تستمر في مخيلته على هيئة سؤال مفتوح حول ما نراه، وما نختار ألا نراه، وما إذا كانت الدلتونية الحقيقية عيبًا في العين أم في الضمير.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
«جائزة ليبيا العطاء» تبحث عن النماذج الملهمة في نسختها المقبلة
«جائزة ليبيا العطاء» تبحث عن النماذج الملهمة في نسختها المقبلة
فنان إيراني رسم امرأة أحلامه ثم تزوج بها
فنان إيراني رسم امرأة أحلامه ثم تزوج بها
فسيفساء صبراتة.. نافذة على تفاصيل الحياة اليومية في العصر الروماني
فسيفساء صبراتة.. نافذة على تفاصيل الحياة اليومية في العصر ...
«مهرجان الجونة» يفتح أبوابه للدراما العربية عبر منصة جديدة للمسلسلات
«مهرجان الجونة» يفتح أبوابه للدراما العربية عبر منصة جديدة ...
شائعات المرض تطارد وائل كفوري بعد خسارته الكبيرة للوزن.. (فيديو)
شائعات المرض تطارد وائل كفوري بعد خسارته الكبيرة للوزن.. (فيديو)
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم