الذاكرة التراثية الليبية تحفل بعديد العناصر والمظاهر والأنشطة المعبرة عن الطقس الاجتماعي العام والنمط الحياتي المشكل لهويته، ومن تلك العناصر الألعاب الشعبية والتي جاء استدعاؤها أخيراً في معرض فني ببيت إسكندر احتفاء بالذكرى الخامسة لتأسيسه كرابط رمزي ومعرفي بين الماضي والحاضر يجسد العلاقة بين الإنسان وحقله المجتمعي الموثق لديه كشاهد أو مستدرك بالرواية والصورة.
التراث الليبي وعناصر الفرجة
لوحات المعرض جاءت محصلة لورشة فنية أُقيمت المدة الماضية ببيت إسكندر أشرف عليها الفنان الدكتور عبدالرزاق الرياني والفنانة عفاف الصومالي امتدت لأكثر من سنة امتزجت فيه حيوية الشباب مع خبرة الأساتذة للحصول على مكون تشكيلي يعرض جانباً من عناصر الفرجة البصرية في موروثنا الشعبي.
وفي بسطة تاريخية توضح العلاقة بين الفن والحياة يشير الدكتور عبدالرزاق الرياني بحسب ما كتبه في مطوية المعرض أن الألعاب كانت على مر العصور مصدراً ملهماً للفنان لرسم لوحاته، كما في لوحة العاب الأطفال للفنان الهولندي بيتر بروغل الأكبر 1560 التي رسم فيها أكثر من مئتي طفل يؤدون نحو أكثر من تسعين لعبة في ذلك الوقت.
ويذكرنا الرياني بلوحة فنان عصر الباروك مايكل أنجلو كارفاجو «لاعب الورق المحتال»1594 التي صور فيها جانب الغش في هذه اللعبة،
كذلك اللوحة الأكثر شهرة وهي ثالث أغلى لوحة بالعالم «لاعبو الورق» للفنان بول سيزان أحد رواد المدرسة الانطباعية والمدرسة التكعيبية في الفن والتي رسم منها عدة نسخ بأحجام مختلفة جسد فيها الحالة النفسية للاعبي الورق في جو من الجدية والكآبة بأسلوب فني حديث.
- بيت إسكندر يحتفي بالذكرى الخامسة لتأسيسه
- إطلاق طوابع بريدية خاصة بالمواقع التاريخية الليبية في قائمة «إيسيسكو»
- بيت إسكندر في ذكرى تأسيسه الخامسة يستدعي «الألعاب الشعبية»
وترى الفنانة عفاف الصومالي أن الفنانين سجلوا عبر الزمن وبمنظورهم الخاص الكثير من الذكريات التي يغذيها خيالهم بحسب الحالة الوجدانية والعقلية وكيفية رؤيتهم لها وما يعتريها من إحساس ينعكس على طبيعة إنتاجه، مؤكداً بذلك هويته المحلية وهويته كإنسان ليرسم لنا عالماً مشبعاً بالجمال كما يثير فينا الاستمتاع لندرك الواقع المعاش ومتغيرات الحياة وتحدياتها وحوافزها بتفاؤل.
العرائس وتخطي الجرد
الفنانة جهينة شعبان حدثتنا عن لوحتها «لعبة العرائس» المستوحاة من البيئة الاجتماعية لمدينة غريان والعائدة تحديداً لفترة ستينيات القرن الماضي حيث توضح اللوحة كيف تحاول الأمهات تسلية الفتيات في سن الطفولة بصنع مجسمات عرائس تحاكي واقعهن المعاش.
جهينة أشارت إلى أن المسكن هو أحد بيوت الحفر بمدينة غريان والذي يعتبر أحد مرموزات غريان ومناطق الجبل والذي يعد الشكل التقليدي لبيوت تلك الفترة قبل أن تحل المساكن الحديثة بديلا له، وكان شاهداً على الكثير من مظاهر الحياة اليومية وتمثل لعبة العرائس أحد طقوسه.
وعن خلفيات رسم اللوحة توضح جهينة أن الخطوات تطلبت صناعة المشهد من الصفر بدءاً باختيار المكان ثم خياطة الملابس وحشو الدمى وتصوير المشهد وتحويله في مرحلة لاحقة الى لوحة تشكيلية استخدمت فيها الألوان الزيتية وحاولت فيها توزيع الألوان بشكل يوازن بين جميع عناصر اللوحة.
ويوضح الفنان محمد العكرمي أن لوحته «تخطي الجرد» تشبه ما يعرف حالياً بالقفز الطويل فاللعبة تقوم على مد الجرد على الأرض وتصبح المنافسة هي تحقيق أبعد قفزة عليه، مضيفاً أن اللعبة يمارسها الرعاة وفئة الشباب كذلك تقام في بعض المناسبات الاجتماعية كالأعراس.
ويواصل العكرمي «وقع اختياري على اللعبة بعد عملية فرز وتأمل لأكثر من لعبة، كما ينبغي إدراك أن الرسم يشمل التكوين والإخراج وطاقم العمل الموديل فمثلا لعبة الجرد تتلخص في فكرة ثم تحويلها إلى اسكتش في موازاة اختيار بقية العناصر المكملة، عدا أن الفنان غير مقيد بالصورة الأصلية للمشهد الفوتوغرافي الذي سينقله إلى شكل فني فقد يلجأ إلى الإضافة والحذف والتحوير بما يناسب الشكل المتخيل في ذهنه ويقارب المستوى المطلوب لتقنيات العمل الفني».
الكارطة واللبيدة والمروحة
اقتربنا من لوحة «لاعبو الورق» والمعروفة شعبيا بلعبة «الكارطة أو الشكبة» للفنانة نهى فرحات والتي حدثتنا عن ارتباطها باللعبة من خلال والدها وأصدقائه عندما يلتقون بالمنزل للعب الكارطة.
أضافت نهى «قمت أولا بالبحث عن الديكور والمكان المناسب لتجسيد العمل ثم إحضار الموديل وهم ذات الأشخاص الذين ألهمونني الفكرة والدي ورفاقه والحصول في النهاية على المشهد القديم الجديد» .
ومن «الكارطة» إلى لعبة «اللبيدة أو الغميضة» حيث عملت الفنانة خولة الخطري على توثيق لعبة الاختباء بمفردات وأجواء تحاكي أيضاً زمن الستينيات ووقع اختيار جلسة التصوير بعد عملية بحث ببيت إسكندر وتطلب مني تحويراً أرضية البلاط وألوان الجدران لتمنح الطابع العام الفترة الزمنية المشار إليها.
الفنان عبدالناصر أبوعجيلة أراد أيضاً استحضار عوالم ماضيه الطفولي برسم لوحة «لعبة الفرارة» وهي بحسب وصفه هي لعبة تصنع من سعف النخيل تتكون من اثنين من الفروع المتشابكة يتخللها عود حاد من فرع أصغر وتدار بالركض عكس اتجاه الريح.
أضاف عبدالناصر«بما أن هذه اللعبة كانت واحدة من ألعابي المفضلة ولها العديد من القصص المرتبطة بطفولتي وذلك لنشأتي في مزرعة بريف مدينة الجميل سجلت فيها ذاكرتي كثيراً من الذكريات والمغامرات الممتعة».
تعليقات