أعاد الاتفاق الموقت الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وإيران في سويسرا خلال يونيو الجاري أحيا المقارنات مع الاتفاق النووي الموقع بالعام 2015. لكن على الرغم من وجود بعض القواسم المشتركة بينهما، فإن الاتفاقين يختلفان في الظروف والأهداف والأطراف المشاركة، بحسب تقارير أميركية وبريطانية حديثة.
وجاء الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، بعد سنوات من المفاوضات بين إيران والقوى الكبرى الست، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين، وكان هدفه الأساسي فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات الدولية عن طهران.
أما الاتفاق الموقت الموقع في سويسرا هذا الشهر فجاء في أعقاب مواجهة عسكرية مباشرة بين واشنطن وطهران، واقتصر على الولايات المتحدة وإيران بوساطة قطر وباكستان، مع تحديد مهلة تفاوضية، مدتها 60 يوما، للتوصل إلى اتفاق دائم، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».
البرنامج النووي الإيراني
تبدو أوجه الاختلاف واضحة بين اتفاق العام 2015 والاتفاق الموقت الأخير الموقع في سويسرا، ولا سيما فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. فعلى الرغم من أن الاتفاقين يهدفان إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتخفيف حدة التوتر، فإن الاتفاق الجديد لا يتضمن حتى الآن القيود التفصيلية التي نص عليها اتفاق 2015 بشأن نسب تخصيب اليورانيوم، وعدد أجهزة الطرد المركزي، وآليات التفتيش الدولية.
- إيران ستقرر «وحدها» كيفية استعمال أصولها بعد فك تجميدها
- إيران لن تسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش المنشآت النووية المتضررة بالقصف
- «بلومبرغ» تنشر بنود مسودة الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة
وبحسب تقارير نشرتها «رويترز» خلال الأيام الماضية، فإن الاتفاق الموقت يركز بصورة أكبر على تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز وضمان استمرار تدفق النفط، مع تأجيل القضايا النووية الأكثر تعقيدا إلى المفاوضات المقبلة.
وتبرز الفوارق بين الاتفاقين بصورة أوضح فيما يتعلق بالملف النووي نفسه، حيث نص اتفاق العام 2015 على مجموعة من القيود الفنية الدقيقة التي هدفت إلى إطالة المدة اللازمة أمام إيران لإنتاج مواد انشطارية تكفي لصنع سلاح نووي. وشملت هذه القيود خفض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 3.67% على مدى 15 عاما، وتقليص مخزون اليورانيوم المخصب إلى 300 كيلوغرام، وخفض عدد أجهزة الطرد المركزي العاملة في منشأة نطنز إلى نحو 5060 جهازا، إلى جانب منح الاتفاق الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات واسعة لإجراء عمليات تفتيش ومراقبة مستمرة للمنشآت النووية الإيرانية.
في المقابل، يركز الاتفاق الموقع في سويسرا في مرحلته الحالية على تثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف للتوصل إلى اتفاق دائم، دون أن يتضمن تفاصيل تقنية مماثلة لتلك الواردة في اتفاق 2015. ووفقا لمسودة الاتفاق، المكونة من 14 نقطة، تعهدت طهران بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، وبستئناف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والسماح بعودة المفتشين.
لكن القضايا الأكثر حساسية، مثل مصير مخزون اليورانيوم العالي التخصيب الذي راكمته إيران خلال السنوات الماضية، ومستويات التخصيب المستقبلية، وعدد أجهزة الطرد المركزي التي ستحتفظ بها، لا تزال مؤجلة إلى جولات التفاوض المقبلة.
وترى «فاينانشيال تايمز» أن هذا الغموض يعكس صعوبة إعادة إحياء القيود الصارمة التي فرضها اتفاق 2015، في ظل التقدم الكبير الذي حققه البرنامج النووي الإيراني منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق بالعام 2018، ما يجعل أي اتفاق جديد أكثر تعقيدا وأقل تفصيلا في مرحلته الحالية.
ملف العقوبات
كما يبرز ملف العقوبات كأحد أهم الفوارق بين الاتفاقين. ففي حين نص اتفاق العام 2015 على رفع تدريجي للعقوبات الأميركية والدولية مقابل التزام إيران بالقيود النووية، يتضمن اتفاق 2026 إعفاءات موقتة وتخفيفا محدودا لبعض القيود الاقتصادية خلال فترة التفاوض، إلى جانب الإفراج التدريجي عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة.
ففي إطار تنفيذ الاتفاق النووي لعام 2015، وافقت إدارة الرئيس الأميركي آنذاك، باراك أوباما، على تسوية نزاع مالي قديم مع إيران يعود إلى صفقة أسلحة أُبرمت قبل الثورة الإسلامية. وشملت التسوية الإفراج عن 1.7 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة. وقد أثارت الخطوة انتقادات واسعة داخل الولايات المتحدة، حيث عدها معارضو الاتفاق النووي تنازلا ماليا كبيرا لطهران.
في حين أن الترتيبات المالية الواردة في اتفاق سويسرا الموقت لعام 2026 تتجاوز ذلك بكثير. فبحسب مسودة الاتفاق، التي اطلعت عليها وكالتا «بلومبرغ» و«رويترز»، وافقت الولايات المتحدة على إنشاء صندوق دولي لإعادة إعمار إيران بقيمة تصل إلى 300 مليار دولار، تشارك فيه دول خليجية ومستثمرون دوليون وشركات أميركية، على أن يجرى ضخ الأموال تدريجيا على مدى سنوات، وليس دفعة واحدة.
ويمثل هذا الجانب أحد أبرز أوجه الاختلاف بين الاتفاقين. ففي حين اقتصر اتفاق العام 2015 على رفع تدريجي للعقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي، وإعادة جزء محدود من الأموال الإيرانية، فإن اتفاق سويسرا يطرح حزمة اقتصادية أوسع نطاقا تهدف إلى دعم إعادة إعمار الاقتصاد الإيراني، وإعادة دمجه تدريجيا في الأسواق العالمية.
لهذا السبب، يرى منتقدو الرئيس ترامب، بحسب «فاينانشيال تايمز»، أن التفاهم الجديد يمنح إيران مكاسب اقتصادية تفوق بكثير ما حصلت عليه بموجب اتفاق العام 2015، على الرغم من أن الاتفاق الموقت لا يتضمن حتى الآن القيود النووية الصارمة التي نصت عليها خطة العمل الشاملة المشتركة.
النطاق الإقليمي
في سياق متصل، يختلف الاتفاقان في نطاقهما الإقليمي. ففي حين اقتصر الاتفاق النووي لعام 2015 على معالجة البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات المرتبطة به، جاء التفاهم الموقت الموقع في سويسرا في ظل مشهد إقليمي أكثر تعقيدا، بعد حرب مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد التوتر على جبهات عدة.
فقد تزامنت المفاوضات مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية في جنوب لبنان، انتهاكا لاتفاق وقف إطلاق النار. كما أن استمرار الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية وتصاعد المخاوف من انهيار وقف إطلاق النار عززا القناعة لدى الوسطاء بأن أي اتفاق دائم بين الولايات المتحدة وإيران يجب أن يتجاوز الملف النووي، ليشمل ترتيبات أمنية وسياسية أوسع تهدف إلى منع اندلاع جولة جديدة من الصراع في الشرق الأوسط.
وترى «فاينانشيال تايمز» أن البيئة السياسية الحالية تجعل التوصل إلى اتفاق شامل أكثر تعقيدا مقارنة بعام 2015، في ظل تراجع الثقة المتبادلة بين واشنطن وطهران، وتزايد المخاوف لدى حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وقالت: «على الرغم من اختلاف السياقات بين الاتفاقين، فإن المفاوضات الجارية تعكس استمرار الملف النووي الإيراني بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيدا في الشرق الأوسط، بينما ستحدد الأسابيع المقبلة ما إذا كان اتفاق سويسرا سيشكل أساسا لاتفاق دائم أم مجرد هدنة موقتة في صراع لم تنته فصوله بعد».
تعليقات