Atwasat

«أبناء الذئبة» يبحث في أرشيف «السياسة الكولونيالية» وأطماعها

طرابلس - بوابة الوسط الجمعة 10 يوليو 2026, 07:35 صباحا

يقدم كتاب «ليبيا .. فريسة أبناء الذئبة» الصادر عن دار السراج للنشر والتوزيع لمؤلفه الرائد والباحث الفرنسي جان بيشون، وترجمة الباحث والدبلوماسي الدكتور مفتاح المسوري، إطلالة على وقائع واتفاقيات وأحداث ماضية أسهمت في تشيكل الخريطة الجغرافية والسياسية للكثير من دول شمال أفريقيا، ومن ضمنها ليبيا محور دراسة هذا الكتاب، ولعل العنوان يوضح كيف كانت ليبيا فريسة لأطماع دول أوروبية أبرزها إيطاليا المرموزة في مفردة (الذئبة) وهي إحالة أسطورة روميلوس، وريموس التي أدت إلى تأسيس روما ثم المملكة الرومانية من قبل روميلوس بعد أن قتل أخاه ريموس.

BCD Ad BCD Ad

تقول الأسطورة في إحدى رواياتها إن الأخوين وضعا في سلة وألقيت في نهر تيبر حيث حرسهما وحماهما رب النهر، حتى وضعهما النهر بسلام على اليابسة، وهناك أخذتهما ذئبة إلى كهف، وقامت بإرضاعهما إلى أن وجدهما أحد الرعاة فتبناهما، وعند تشييد روما من قبل الأخوين، جرى اتخاذ الذئبة كرمز للمدينة ثم للامبراطورية الرومانية وبعدها وريثتها إيطاليا.

وظهرت الذئبة في النقوش والقطع الأثرية كما كان هناك تمثال برونزي للذئبة المرضعة على مسلة رخامية في طرابلس قرب السرايا الحمراء، غير أنه جرى إزالتها سنة 1970 ووضع مكانه تمثال برونزي لفارس على صهوة جواد.

تحت عنوان (فرنسا وإيالة طرابلس) يشير المؤلف إلى أنه لا توجد أي وثيقة دبلوماسية بين فرنسا وإقليم طرابلس خلال العصور الوسطى، ولا حتى في بداية السيطرة التركية بواسطة سنان باشا 1551، والاتفاقيات التي جرى توقيعها بين سنتي 1535و1664بين فرنسا والصدر الأعظم تنطبق على الممتلكات الأفريقية للباب العالي، وفي الواقع باشوات طرابلس لم يقبلوا إلا على مضض التبعية لتركيا إن المتبربرين يحكمون الإقليم كما يحلو لهم بل ولاحظنا والكلام هنا للمؤلف أنهم استقلوا تماما سنة 1711.

مناورات الثعلب الفرنسي
يشير المؤلف إلى أن تدخل الفرنسيين في طرابلس كان أقل منه في كل من تونس والجزائر حيث كانت مصالحهم هناك أكبر بكثير، مشيرا إلى أنه بعد كل عملية تدخل عقابي يتظاهر المتبربرون (التسمية للمؤلف) في طرابلس بأنهم قد انصاعوا وعلى إثر ذلك يبدأ قناصل فرنسا في الاستقرار بطرابلس حيث كان القناصل يتفاوضون على إبرام معاهدات غير أنها لا تستمر طويلا بسبب خرقها، لذلك يستلزم الأمر تدخلات جديدة.

- للاطلاع على العدد «555» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

استمر هذا التوتر بين طرابلس وفرنسا، وإذا ما تقلصت الفجوة قليلا تتدخل عوامل أخرى لتوسيعها كما حدث عند وصول نابليون بونابرت إلى مصر ومحاولته الاتصال بجزيرة مالطا عن طريق مدينة درنة، غير أن الإنجليز أجبروا باشا طرابلس آنذاك على إطلاق تصريحات معادية لفرنسا بتاريخ 15-2-1799، على الرغم من العلاقات المتميزة بين يوسف باشا القرمانللي والقنصل الفرنسي بطرابلس.

وبخصوص الاتفاقيات الفرنسية الإنجليزية الوقعة خلال الفترة (1890و1898و1899) بشأن تقسيم الوسط الأوروبي، يشير المؤلف إلى أنه بتاريخ 5-8-1890، جرى توقيع الإعلان الإنجليزي الفرنسي في لندن، وكان هذا الاتفاق هو الأول بين البلدين يرمي إلى تحديد مناطق النفوذ لكل منهما بين بين النيجر وتشاد من جهة وبين بحيرة تشاد ونهر النيل من جهة أخرى، ونجم عن الاتفاقية أن منطقة النفوذ الفرنسي قد تمتد نحو الشرق حتى خط مرسوم من أقصى جنوب فزان حتى بلدة باورا، أما إقليم طرابلس في حد ذاته فلم يتأثر لأن حقوق الباب العالي على فزان قد جرى المحافظة عليها من خلال الرسائل المتبادلة بين وزير خارجية بريطانيا وسفير فرنسا في بلندن.

تناول الكتاب الاتفاقية الفرنسية التركية الموقعة بتاريخ 19-5-1910بشأن الحدود الليبية التونسية، كذلك الخلافات الفرنسية التركية حول الصحراء الكبرى، أيضا الاتفاقات الفرنسية الإيطالية 1900 و1902.

وفيما يتعلق بالغزو الإيطالي أوضح المؤلف أنه لم يكن لدى الحكومة الإيطالية منذ هزيمة عدوى أي اهتمام بالدخول في مغامرة استعمارية، ولذا قررت التوسع في ليبيا عن طريق التفاوض مع الباب العالي، وكان يبدو لها أنه من الممكن الحصول من السلطان عبدالحميد على تنازلات ذات طابع اقتصادي وقانوني، وتطوير تصرفها في ليبيا عن طريق مصرف روما.

نار تحت الرماد
ومن جانب آخر يلفت الكتاب النظر إلى حقيقة أن النظام التركي لم يكن يحظى بشعبية كبيرة لدى العرب، لذا كانت تركيا تعول على الاستفادة من نزاعات وانشقاقات بين الزعامات المحلية والسلطة العثمانية والدخول في مؤامرات ودسائس ليس فحسب مع الحركة السنوسية في طرابلس وبرقة بل أيضا مع أوساط جامعة الأزهر الإسلامية.

بعد جسر من الإنذارات والمشاورات والردود بين إيطاليا وبعض الدول الأوروبية من جهة وتركيا من جهة أخرى، ضرب الأسطول الايطالي يوم 1-10-1911حصارا على طرابلس ثم دكها بالمدفعية يوم 4-10-1911 وحطم حصنها الرئيسي . قام أمير البحر كايني يوم 5 من نفس الشهر بإنزال بحري واستولى على طرابلس التي فرت منها حاميتها التركية.

تطرق الكتاب إلى علاقة فرنسا بالنزاع الإيطالي والتركي، ثم ليبيا في الحرب العالمية الأولى، وفي الباب المتعلق بالعمل الاستيطاني يقول المؤلف: القانون الذي صدر بصورة موقتة يوم 25-2-1912، قد فوض الحكومة الإيطالية باتخاذ كافة التدابير المتعلقة بإدارة ليبيا طالما لم يجر إصدار قانون ولوائح تنظيمية نهائية بموجب قانون خاص، كما صدر يوم 9-1-1913مرسوم ملكي إيطالي بشأن تشكيل حكومتين منفصلتين في إقليمي طرابلس وبرقة، ويوجد على رأس كل حكومة إقليمية حاكم يتبع مباشرة لوزير شؤون المستعمرات، وله سلطة قيادة القوات الإقليمية على أن يقيم كل حاكم في إقليمه.

- للاطلاع على العدد «555» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا

بعد الحرب العالمية الأولى حول المرسوم الصادر 17-5-1919حكومة إقليم طرابلس العسكرية إلى حكومة مدنية وتعيين السيد (ميزنغر) رئيسا لهذه الحكومة، وكونت في وقت لاحق مفوضيات مدنية في يفرن وغريان وترهونة، كما شكلت قيادة لإقليم الجنوب التي كانت تشمل علاوة على نالوت ومنطقة الجوش كل المناطق الحدودية الجنوبية، بالإضافة إلى مزدة وورفلة والحمادة الحمراء والجفرة وفزان.

الليبيون في مصر
تناول المؤلف مسألة النزاعات الحدودية والاتفاق الفرنسي الإنجليزي 8-9-1919، كذلك الاتفاق الفرنسي الإيطالي بتاريخ 12-9-1919 والمفاوضات الأنجلو إيطالية بين سنتي 1919 و1920، كذلك الاتفاق الايطالي المصري بتاريخ 4-4-1923 وما يخص الوضع القانوني لليبيين المقيمين بمصر آنذاك، حيث وقعت اتفاقية بتاريخ 14-4-1923 بين الكونت لويجي وزير مفوض ومبعوث فوق العادة مع وزير الخارجية المصري أحمد حشمت باشا.

تنص المادة (1) في الاتفاقية على اعتبار كافة الأشخاص من ذوي أصول ليبية رعايا إيطاليين في مصر (الليبيون من إقليم طرابلس وبرقة)، كذلك الليبيين القاطنين في مصر قبل أن تضم إيطاليا ليبيا، وتنص المادة الثانية على أن الاعتراف يكون أي ليبي مواطنا إيطاليا يقتضي قانونا الاعتراف بزوجته وأطفاله وأحفاده الذين لم يبلغوا سن الرشد عندما ضمت إيطاليا ليبيا. كما تنص المادة الرابعة على أنه بعد انقضاء ثلاثة أشهر من الاتفاقية لا يحق لأي ليبي مقيم في مصر أن يدعي تبعيته لإيطاليا.

توقف المؤلف أيضا عند الاتفاق الأنجلو مصري الموقع بتاريخ 20-7-1934، وكذا مطالب إيطاليا في أفريقيا الفرنسية ثم الاتفاقات الفرنسية الإيطالية بتاريخ 7-1-1935، وبعض التفاصيل عن الحرب العالمية الثانية فيما يخص محور يرلين روما طرابلس.

الباحث والدبلوماسي الدكتور مفتاح المسوري. (أرشيفية: الإنترنت)
الباحث والدبلوماسي الدكتور مفتاح المسوري. (أرشيفية: الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
الثقافة والفن في مواجهة محاولات طمس الهوية.. نقابة الصحفيين بمصر تطلق «أسبوع فلسطين»
الثقافة والفن في مواجهة محاولات طمس الهوية.. نقابة الصحفيين بمصر ...
خلال افتتاح صالة العرض الأثرية بـ«مبنى القشلة».. مطالبات بتأسيس متحف وطني في بنغازي
خلال افتتاح صالة العرض الأثرية بـ«مبنى القشلة».. مطالبات بتأسيس ...
«أبناء الذئبة» يبحث في أرشيف «السياسة الكولونيالية» وأطماعها
«أبناء الذئبة» يبحث في أرشيف «السياسة الكولونيالية» وأطماعها
فاضل بيات يستعرض تاريخ ليبيا في الأرشيف العثماني ضمن «موسم ليبيا الثقافي»
فاضل بيات يستعرض تاريخ ليبيا في الأرشيف العثماني ضمن «موسم ليبيا ...
طرابلس تستعد لإطلاق «ليالي المدينة» ضمن موسم صيف الشباب 2026
طرابلس تستعد لإطلاق «ليالي المدينة» ضمن موسم صيف الشباب 2026
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم