علي المنتصر.. الصرخة وسحر الثنائيات المنصهرة

الفنان علي المنتصر (بوابة الوسط)

ربما تمثل لوحة (السمراء) حلم الشاب علي المنتصر، الذي لم يتجاوز العقد الثاني من عمره وهو يخوض أولى تجاربه آنذاك, لتبدو بعد عدة عقود مع تفاصيل أخرى رمزًا أيقونيًّا لبواكير محاولاته الدخول عالم التشكيل.

تجلس الفتاة بشعر فاحم وبشرة بنية أمام منضدة وباقة زهور بيضاء، مشيعة نظراتها الواثقة صوب الأفق، وكأنها ترسل ومضات شفافة من الأحلام محمولة على جناح أمنيات فرشاة تحاول إيجاد مكان لها في فضاء بيكاسو.

هدوء الفتاة يزيح النظر صوب سكون ورقة الخريف المستسلمة للصمت والذبول، وإذا كانت الأخيرة بمسحتها الحزينة تطرق أبواب الرحيل، فالأولى حتمًا تستعد لمعارك زمنها القادم، وجهان للصمت يتبادلان محاورة ناموس البقاء والعدم وينجذبان ممازجة نحو بوابة السؤال في سقف مفتوح من الاستفهامات، بغية الانتقال إلى ضفة أخرى من الانعكاسات التي تحاول إيجاد إجابة لكل تلك العلائق بتشابكها الفلسفي.

طالع: عبدالرؤوف مادي.. الجسد والضوء بلغة البورتريه

تستمر مفازات الألوان في رسم مجالها الأولي عند زوايا الجسد وخامات الطبيعة وملاحقة أفكار النضوج الفني، إذ تروم المخيلة لمحاكاة تمظهرات أعمال سالفة لمدارس التشكيل، ليستحيل الوضوح في مرحلة لاحقة إلى إرهاصات تتحفز للتحرر من عباءة المحاكاة لرسم بصمتها الخاصة وتبني قواعدها على الإبهام الذي لا يلغي الملامح، ولكن يحولها إلى إشارات وومضات وصور تشاغل ما يختبئ خلف شكلها الظاهر، وقد يكتفي قلب اللوحة بالإيماءة أو بإطلالة خافتة، وفي كلتا الحالتين ينحسر الوضوح قافلاً لصالح خطوات تعتمد الغموض والتهويم والإيحاء، مصقولًا بخبرة سبر الشوارع الخلفية لتلك الفيوض الحاملة في خلاصتها بصمة وذائقة الفنان.

وهي في مدارجها المتفجرة بالحياة، لم تكن بحاجة إلا لصرخة مدوية كمسافة فاصلة للعبور إلى ضفاف تستلهم منابتها من روحها الضاجة بالانفعال مشفوعة بأسفار المد اللوني للمخيلة والذاكرة، إذ يتبدى بهذه الثنائية المنصهرة في لوحة (الصرخة) ارتداد يضرب في جوهر الكينونة الباحثة عن هويتها الضائعة، وهي معاينة لاسترسال الصمت الذي يمضي في نقلاته من نقاط الوضوح والصراخ لانبعاث مدار تشكيلي آخر يجاهد للغوص في كوامن دوائر التشوه التي توشحتها الحداثة، إذ ينحت المنتصر في استخراج إفرازاتها النفسية وكذا يصبح السؤال لاحقًا متعلقًا بالكيفية التي يبدو فيها النظر إلى هذه المشاغبات كمارد من الطلاسم تفلت من القمقم، وما السبيل لاستعادة جدور أروحاها المكلومة؟ 

طالع: السيفاو.. الكتابة بحبر الذكريات

تتفجر لوحات الفنان في عروضها الأخيرة مكسوة بالتجهم الذي ينهض في تنويره على استحاثة النقاء المفقود في وجوه يكتسحها الضمور وأخرى يعلوها سكين الزمن وسيتكفل اللون الرمادي بمسحته السابحة في القتامة والتوهان.

ولن تكون لوحة العازف إلا وميضًا يجاور تلك الخطوط السائرة إلى هسيس لغة تقتفي مواضع النفاذ في جدار الغموض بحثًا عن جداريتها الفردوس لوحة (الحياة)، إنه النفس السحري الذي يدفعنا إلى خوض تجاربنا برؤية داخلية تناكف الثبات وتستدعي مرموزيتها الخاصة في عوالم الريشة, لذا كان لـ(شرخ) كعنوان لزوم البروز في أعمال الفنان علي المنتصر تتويجًا لرحلة لن تنتهي من حلقات التدافع لفهم كنه سر البقاء.

وفي معرضه الأخير (الفن حياة) الذي امتد من الفترة 9 إلى 11 من أغسطس، يجدد الفنان تواصله مع جدائل الصمت في سفر داخلي لاستجلاء مظاهر الفرادة للذات في تمردها الأزلي بالثنائيات المنصهرة (الخيال والذاكرة) الباحثة عن لغة الخروج من الظلام إلى النور، وهو انتصار لقاموس الجمال الكامن في رواسب الفوضى والقلق، وكذا إبحار فلسفي يناجي الصفاء، محيلاً كل ذلك الخراب والبؤس إلى آفاق لونية ومدامك تجادل سحر فضاء المستديرة .

من أعمال الفنان علي المنتصر (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان علي المنتصر (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان علي المنتصر (بوابة الوسط)
من معرض للفنان علي المنتصر (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان علي المنتصر (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان علي المنتصر (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط