عبدالرؤوف مادي.. الجسد والضوء بلغة البورتريه

من أعمال الفنان عبدالرؤوف مادي (بوابة الوسط)

الممارسة مفتاح الخبرة، وهو ما احتاجه الفنان عبدالرؤوف مادي للوصول إلى المستوى الذي يجعله ينظر إلى الصورة بذائقة الفنان والمتلقي، وعامله المساعد، الملاحظة والخبرة.

بعد تخرجه في قسم التصوير بكلية الفنون 1998 بحث عبدالرؤوف مادي عبر مخيلته في الأبعاد والزوايا، وكيف يمكن أن تتجه الملاحظة المتواصلة للأعمال الفنية إلى فكرة تكون اللوحة الضوئية ذهنيا، قبل الدخول لمضمارها العملي، هذه المحددات صقلتها نقلة أخرى هي الولوج لفضاء الإنترنت، الذي أتاح له التعرف إلى طيف واسع ومتنوع من الصور.

مع تدرجه بميدان الاحتراف سنة 2008 وبفضل تقنيات الكاميرا الرقمية ساعدته المناورات التجريبية في التعرف إلى الأخطاء الفنية، وهي ميزة تبعتها فرضية الأمر الواقع، فالصورة المتحصل عليها في النهاية واجهة لونية حاملة لبصمة منتجها، ولا مجال لتحميل الأخطاء على ظروف «التحميض» زمن التصوير اليدوي.

طالع: السيفاو.. الكتابة بحبر الذكريات

ولكن الفضاء الجديد لم يمنعه من تركيز ذائقته الضوئية في الفوتوغراف على اللونين الأبيض والأسود بنكهة رقمية، ومع أن ذهابه في الرؤيا إلى ماوراء الإيقاع الجمالي للصورة، حيث روح التوثيق تبدو حاضرة بقوة، وقد تأتي على حساب جمالية المشهد، إلا أن البعد الأخير لا يزال موجودا.

فصورة الطفل وهو ينظر من خلف زجاج السيارة وانعكاس حركة الشارع والنباتات المقابلة على الزجاج، هذا التداخل يبقي العين مشغولة بفرز ملامح المحيط المعكوس، متنقلة بين رأس الطفل ومحيطه.

نموذج آخر للبعد الجمالي يترجمه انحناء الجسد وهو يتوثب للقفز في الماء برغم أنها تبدو عادية، لكن اللحظة تعطيك تخيلا واحتمالات لأوضاع جسم السباح وتفاصيل حركته، وهو يتجه نزولا، ما يدفع من قيمة أن يظل المشهد مقبولا فنيا.

طالع: فن الفوتوغراف.. و الوجه الآخر للصورة

إن الجانب التوثيقي في أعمال عبدالرؤوف مادي يقتضي أحيانا البحث عن درجة عالية من الواقعية، فمصلح الإطارات مثلا، كان أحد هذه النماذج، فالتقاسيم الجادة لوجه العامل لا تنفصل عن أجواء المكان المليء بملازم المهنة، كما أن الصورة في الأبيض والأسود تعكس إيحاء عميقا باللحظة ذاتها.

وفي صور وجوه الأطفال والرجال والشيوخ يتم عبر مدونة التوثيق أرشفة الزمن أو استنطاقه، وهو وجه جمالي وفلسفي تنعكس لدى المتلقي فيما يشبه محاورة للذات، وهو يستحضر مساره الحياتي من المهد إلى مشارف النهايات.

الفكرة في تصوير ما يجسد علاقتنا بالواقع الحياتي، ينتقل إلى ملامسة ما هو إنساني بصفة عامة، خصوصا القضايا التي تشغل بال الرأي العام، وتعكس هموم الإنسان المعاصر، وتلفت انتباه منظمات المجتمع المدني، كالهجرة غير الشرعية.

وعبر لمحة فوتوغرافية لوجه أحد المهاجرين، نرى هاجس ما يقبع خلف رحلته المرتقبة مع قوارب الموت بغية الهروب من جحيم الفقر، شرود العينين يجسد مرارة انتظار المجهول، مع إيماءة صديقيه في الخلف أعطيا بعدا نفسيا للموقف.

تترامى آفاق لا نهاية لها في عوالم المسح التوثيقي للعدسة، وهي مكتنزة بتأويلات مؤجلة في أبعادها الفنية والمحمولة على الرسم الحياتي المعتاد، أو الكشف الذي يناقش قضايا متقاطعة مع الرأي العام، وفي كلتا النافذتين تبرز خصوصية الزوايا والاتجاهات المعبرة عن فرادة الفنانة الخاصة به، والمنصة التي يرغب في الخروج عليها للجمهور.

إن التفاصيل التي تستقبلها العين، ومن ثم المخيلة تحيلك من المجال الفني الخالص إلى مجال تفاعلي آخر مع المحيط، متصل ببيئة الناس وعاداتهم، تلك هي لغة البورتريه لدى عبدالرؤوف مادي، تختمر في وميضها الزمني المارق كالبرق، اللحظات المشبعة بالحكايا تتنفس، الرؤى والخطوب ودلالات المواقف مستنيرة ببصمة إبهام يحاول مداعبة الضوء وهو يتخير مواضع رسوه الأخير في مكامن الذاكرة.

الفنان عبدالرؤوف مادي (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان عبدالرؤوف مادي (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان عبدالرؤوف مادي (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان عبدالرؤوف مادي (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان عبدالرؤوف مادي (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان عبدالرؤوف مادي (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط