«قهوة سي عقيلة» (7) سينما النهضة والملاحة والسباحة

في مرحلة من مراحل «النظام الجماهيري»، لعلها في مطلع الثمانينات، لم يكن هناك من متنفس للغالبية في بنغازي سوى البحر، خصوصًا من بعد تأميم المحلات التجارية كافة.

وصارت الأسواق العامة هي مصدر التموين الوحيد للناس، أصبحت الفترة الصباحية، هي الوقت المناسب للمواطن لاصطياد ضروريات المعيشة من الأسواق، باستثناء الذين يعملون بها، وكنت منهم، ولكنني استقلت لأسباب سنتعرض لها عندما نصل تلك المرحلة.

كان الملاذ، هو شواطئ البحر المحيطة ببنغازي: الصابري، الشابي، جليانه، قاريونس. كان نادي الملاحة من أبرز مصايف بنغازي، وكان ملتقى لنخب من رجال بنغازي وشبابها، ناهيك أنه متلقى المتقاعدين يجتمعون فيه من الصباح الباكر، لعل أكثرهم مواظبة، بشير المجريسي، إبراهيم الحداد، الدكتور على الساحلي، عبدالرحمن برنية وغالبًا ما يكون معهم امبارك الشريف باكرًا قبل أن يتجه إلى عمله.

كان نادي الملاحة، قد أقيم مبكرًا، داخل حوض ميناء بنغازي، مقابل فندق البرنتشي -قصر الجزيرة لاحقًا- كان الإنجليز خصصوه في البداية للجاليات الأوروبية، والتحقت بهم النخب من أسر بنغازي المعروفة، كان عبد الله عصمان ومحمد حمامة ومحمد الأبيض من المهتمين من البداية بالبحر ورياضة الملاحة الشراعية.

ولما قام نظام القذافي 1969 قفل النادي، وقبل أن يصبح، قاعدة بنغازي العسكرية، تولى عبدالله عصمان بشهادة رفيقه محمد حمامة حراسة وعناية المراكب الشراعية، فيما واصل اتصالاته برجال ثورة القذافي، حتى تمكن من الحصول على تخصيص مقر نادٍ بشاطئ بوشليف كان يسمى (بيتش كلوب) مخصص للجالية الإنجليزية، وكان موقعه من بعد مصيف مخصص للملك، الذي لم يزره مطلقًا، وشيد مكانه مصيف اشبيليا الآن.

كان (البتش كلوب) مجرد (كوخ خشبي كبير)، فواصل عبد الله عصمان جهوده إلى أن تمكن من الحصول على دعم من مختلف الجهات وقاموا بتشييد النادي، وأشهد الله أنني رأيت شخصيًا الشباب من رواده يساهمون في (صبّ السقف) منهم مصطفى الفيتوري، وفوزي وعمر بن كاطو، وصلاح وحسنى بي، ومحمد عبيده، ومحمد حمامة، ومحمد الأبيض، وفرحات إحواس، ومحمد باقو، ومحمد زيو، وفرج وعادل الغرياني، ومصطفى زيو، وعبد الله عصمان، الذي تولى إدارته باقتدار، حتى إن خليفة الفاخري، يسميه من باب المزح : «صاحب النادي».

أقول ذلك لأنني توليت فترة من الفترات رئيس جمعية النادي العمومية، وكان مساعدي حينها حسين بوليفة، ولقد طورت إدارة النادي الرياضة البحرية بإدخال قوارب (الوند سيرف والكاتي ميرال)، وكذلك رياضة الغوص، والسباحة. وكانت معظم النوادي الرياضية التي كانت قائمة منذ الخمسينات، التي سنتناولها بالتفصيل لاحقًا، مهتمة برياضة السباحة.

نادي الهلال على سبيل المثال كان معظم لاعبي فريقه لكرة القدم سباحين، لعل حسن الحمري أشهرهم، فلقد نال مبكرًا بطولة المسافات الطويلة، وكانت تقام سنويًا مهرجانات للسباحة غالبًا في منطقة القبطنارية، ولمناسبة حدد تاريخها المتابع الرياضي أخونا أبوبكر بن شتوان سنة 1958، قام مهرجان سنوي يسمى (السينالكو) شارك فيه نادي الهلال، نشر صوره الشاب أحمد، ابن السباح على عكيز، في صفحة سكان البلاد القدم.

في صور هذا المهرجان نرى عددًا من سباحي ومنتسبي وإداري النادي، من بينهم على عكيز العمامي، وابن عمته عبدالنبي الترهوني، الذي كان يعرف في بنغازي باسم (انبيوه جديوه)، وهو الذي كان يعمل كأحد غواصي مركب تعمل في جمع مخلفات الحرب العالمية الثانية من الحديد بالقرب من منطقة الحليس.

صائد الحيتان.. في ليلة مأتمه هتف الصبية أمام بيت العزاء «انبيوه حي .. انبيوه حي»

ولقد جنحت المركب وغرقت، ولم ينج سوى قلة من بحارتها، وأقيم مأتم الغرقى باتساع شوارع بنغازي، أما مأتم (أنبيوه) فأقيم بمنطقة رأس عبيدة، عند مخازن (الجرمانيا)، وبسبب صلة قرابة تربطنا به كنت صبيًا رفقة أسرتي في ذلك العزاء.

وفي ليلة المأتم الثانية، عند صلاة العشاء انطلق صبية الشارع نحو بيت العزاء يهتفون : «انبيوه حي .. انبيوه حي»، وانقلب المأتم عرسًا، وعلتْ الزغاريد وإيقاعات الطبول، وعم الفرح المنطقة كلها، فلقد سبح انبيوه ليلتين ويومين متصلين ليصل الشاطئ، سابحًا يجر أحد رفاقه، الذي كان لا يجيد العوم. (انبيوه) هو من كتبت عنه قصتي (صائد الحيتان)، فلقد عمل فيما بعد بحارًا على مركب تجاري إنجليزي، وانتهي به المطاف بحارًا على سفينة لصيد الحيتان في البلطيق، وعاد في التسعينات وعمل بميناء بنغازي فني شِباك وحبال إلى أن رحل مطلع هذا القرن.

في ثمانينات القرن الماضي، كان التأميم قد طال كل شيء، وصارت بنغازي سجنًا بحجم مدينة.. وتكونت شلل الصيف باتساع البلاد، منها، مثلما ذكرنا، شلل البحر. كُنا شلة، معظمنا عاطلون عن العمل؛ كنت أول من يأتي إلى شاطئ النادي، أحيانًا يسبقني الصديق العزيز ابن سوق الحشيش الحاج مصطفى زيو، الذي لم يكن حينها قد حج، وكان قد اشتهر ما بين أصحابه بـ(كلينا) تصغيرًا للملاكم كلاي. كان حينها موظفًا بالمصرف التجاري، ولكن من يوم أن سمع النظام أنه صاحب بيت الشعر الذي قاله ذات ليلة عن بنك ليبيا وهو:
«البنك اللي كان اتقول ايش *** ومصدر عيش *** تملح تما يرتع فيه الجيش».
من يوم ما وصلهم هذا البيت -حامي بارد- صار حضوره مثل غيابه، (رقوه) على الرف.

كان يحضر رفقة أبنائه، ثم يأتي بقية الرفاق مع أطفالهم المرحوم يوسف الهدار، الذي يناكف (الطفل) عمر الكرامي: «ايش تغديت يا عمر؟» فيجيب في الحال: «بازين». ومن بعده بقليل يقبل المرحوم عبدالحق الورفلي، وأطفاله.

أما محمد بوزعيك فيظل طوال الوقت «قدمٌ في البحر والأخرى فوق الرمل، وعينه لا تغيب عن أبنائه الذين أصبحوا، الآن، مثل كل أطفال الرفاق: هندسة وطب وتجارة، نخبًا متميزة يشار إليها بالبنان بطول بنغازي وعرضها». ثم يصل الكردينال العازب الكابتن مختار اعبيده عند الغروب.

وكأنني أرى الآن هناك، غير بعيد عنا المهندس مبارك الشريف وبجانبه عبدالرحمن البوري، وهناك عند مخزن معدات الغوص، أرى الحاج عبدالله عصمان وسيجارته المشتعلة على الدوام، يناكف عمك عبدالهادي حمزة (المد) عن الحرايمي السامط. يقول له ملوحًا بسبابته: «قلت لك مليون مرة الحوت يبي ملح لأن ربك خلقه بلا ملح ليخف وزنه ولا يغطس (كالبيمبو).

على الروكلي نابغة الفيزياء قيل إن الموساد قتلته

كثِر الملح واخلطه جيدًا مع الكمون والثوم وأنت تتبل .. (ما نبيش نعيشلك ديمًا)»؛ ويضحك حسين بوليفة متشفيًا من الّمدْ، وابنه الطفل إيهاب هناك يُقلد رياضي كمال الأجسام ويبحث هنا وهناك عن علياء التي لم تكن قد وُلدت بعد.

وعند باب المطبخ أحمد الفلاح ينبه المرحوم وليد: «لاه.. لاه يا وليد» وعبدالقادر التائب يصين مع خالد الفلاح قاربًا، وطارق عصمان يصارع (نص بالتن). وها هم غسان وغادة ومي، أما مرحى فمتعلقة برقبة (جنقي) لا تريد أن تمشى على الرمل: «(اللملة) حامية».

ذات يوم كان النقاش حول من هم (عيال البلاد) وبعد نقاش طويل قال عبدالحق : «من يعرف ما هي (الماصولة) وبذراعه ندب دائري كبير، هو من عيال بنغازي». الماصولة هي نهاية سوط الحوذي، (العرابدجي) فالعربية التي يجرها الحصان هي وسيلة النقل الأساسية، وكان بنهايتها مكان مناسب نلتصق به، لنيل توصيلة مجانية، فينتبه العرابدجي وينبهنا، محذرًا، بصوت السوط الناتج عن فرقعة الماصولة، أما الندب فقد كان نتيجة تطعيم قامت به الدولة في خمسينات القرن الماضي، ضد وباء ما، نتجت منه ندوب تأثرنا بها جميعًا.

عبدالحق، شخصية كانت مشهورة في بنغازي، فلقد كانت ليالي شهر رمضان تتحول إلى صراع ما بين: عيال البركة، وعيال سيدي حسين، وعيال البلاد، كان عبدالحق زعيم عيال البركة، ومفتاح العمامي، المعروف بمفتاح شمسة، أبرز عيال سي حسين، أما عيال البلاد فكان أبرزهم سليمان بيده، ومحمود بوجبهة، وعقوب شاكير. ثم صار عبدالحق موظفًا بمصرف ليبيا.

عبدالحق، وفي شبابه أصبح رفيق رشاد الهوني، وأمسى صديقًا لشلته: صادق النيهوم وحمد الكوافي، ويوسف الهدار، والقحفلي، ومفتاح الفرجاني، غير أن صداقة متينة ربطته مع خليفة الفاخري، الذي بعث له كرتًا بريديًا من ألمانيا كتبه كالتالي: «إلى أخي وصديقي عبدالحق الورفلي. بنك ليبيا بجانب (كشك طلوبة) على إيدك اليمين.

ولقد تطور الكشك، الذي يرى الفاخري أنه كان أشهر من المصرف، فمنه نشتري سجائر المركب المهربة من حانوت الإنجليز العسكري بنصف ثمنها الحقيقي، ونقترض حين نحتاج، فلم يكن لنا شأن بالمصارف كافة.

سينما النهضة ..عديد العصاميين من خريجي الجامعة كانوا يبيعون اللب والفول السوداني، والسكاكر، أمام أبوابها

وكان يساعده عمران الطرشاني المكافح الذي تولى تربية أخيه بشير لاعب فريق الأهلي والإنفاق عليه حتى تخرج مبكرًا في كلية التجارة، وتولى في الدولة مناصب عدة، كشك طلوبة مثلما قلت تطور من طبق كان يحمله طلوبة ويقف به أمام سينما النهضة يبيع اللب، والفول السوداني والفول المحمص، والقليل من اللوز والعلكة، إلى أن امتلك (كروسة) يقف بها أمام سينما النهضة مساء، وفي الصباح ناصية مدرسة ثانوية بنغازي عند المساحة المقابلة لمبني ركاب القطارات الذي تحول إلى مبنى للمنافع العامة، حيث تسدد فواتير الكهرباء والمياه. وكان هناك أيضًا دار ونيس بوذراع لسندويتشات التن بالدحي والشاي وزجاجات المياه الغازية.

وأنا، الآن، أكاد أن أجزم أنه لا أحد من جيلي لا يعرف سينما النهضة، وبالتالي فهي، أيضًا، مؤشر لتحديد عيال البلاد، فهي أشهر دار عرض في بنغازي، ناهيك أن العديد من العصاميين واصلوا دراستهم المسائية، حتى تخرجوا في الجامعة فيما كانوا يبيعون اللب المحمص، والفول السوداني، والسكاكر، أمام أبوابها.

كنت أحمل جردل مياه غازية وأنادي «قازوزة.. قازوزة» في حفلة الثلاثاء النسائية

ولعل فخرًا لأحدهم ، وهو السيد على العجيلي الذي واصل حتى صار مدير جمارك بنغازي، وفخر لسي على بابا الذي ينطلق بعربته من سوق الحشيش حتى نخلة أمام المصوراتي (القوبو) ليمضي الليل يبيع المكسرات والساندويتشات لرواد السينما والسكارى، حتى تمكن ابنه على الروكلي من التفوق والدراسة في ألمانيا، فكان نابغة في الفيزياء، وقيل إن الموساد قتلته.

ومع ذلك كان أمام السينما، أيضًا، غير بعيدين عن هؤلاء الشرفاء العصاميين، الكثير من وجوه بنغازي السيئة أيضًا، التي أفسدت الكثير من القُصر.

منذ مطلع سنوات وعيي، في مطلع الخمسينات وجدت سينما النهضة قائمة وعلمت أنها من عهد إيطاليا. عرفت أبوابها الخلفية لأنها تفتح على شارع محمد موسى، وبسبب علاقتي المبكرة بمستخدمين فيها، إذ كانت والدتي تعد لهم إفطارهم حينما ينظفونها من بقايا رواد الليلة السابقة، زكوني عند سالم الشين الذي كان يدير (بوفيه) السينما، وكان يحتاج لصبي يدور ما بين صفوف السينما يهمس للسيدات في حفلتهن النسائية الأسبوعية عارضًا سلعته : «قزوزة .. قزوزة» كنت أحمل جردلاً به زجاجات مياه غازية مغمورة بقطع الثلج وأبيعها للنساء في حفلة عصر يوم الثلاثاء، النسائية.

لم تكن الأفلام تخرج عن أفلام فريد الأطرش وإسماعيل ياسين وفيلم (سافو) الشهير، وبعض الأفلام العاطفية المصرية. كانت سينما النهضة هي الأشهر، تقع في المساحة الفاضية الآن، ما بين شارع محمد موسى، وشارع عمر بن الخطاب (فيا تورينو)، الذي يشكل مع شارع الاستقلال جانبي مطعم والد أحد تلاميذ فصلي اسمه مصطفى بومدين، كان يعد سندويتشات بعجة يستخدم فيها (الناموسة) وهي يرقات الأسماك التي تقترب من الشواطئ هي من أروع ما أكلت في حياتي.

 

علمت فيما بعد أن مكاتب جريدة البشائر كانت فوق ذلك المطعم، وعلى يسار المطعم من جهة شارع (فيا تورينو) يقع محل عمي محمد عكيز العمامي، والد السباح الدولي على عكيز، الذي اشتهر بـ(الزلوطي)، وكذلك أخوته عمر وأبوبكر وأحمد. سوف نتناول بقية سينمات بنغازي وسنرى كيف ارتبط بعضها برياضة الملاكمة.

المزيد من بوابة الوسط