Atwasat

الحفر في الذاكرة الليبية: أضواء وظلال على المنفى الذهبي لمصطفى يونس (6-6)

محمود أحمد أبوصوة 11 ساعة
محمود أحمد أبوصوة

يستهل يونس مبحث المواطنة التي يطلق عليها «المواطنة الخاصة» بالتنويه بجهود بالبو في تحضير البلاد فيذكر قبل الانتقال للحديث عن هذه الجزئية بأنه ومن دون «أن نضع جانبا الأعمال التي قام بها الحاكم الإيطالي في القطاع الديني والمدني وكذلك تلك التي هدفت إلى تحسين الجوانب التعليمية والقانونية والصحية والبناء الحضري والزراعي في ليبيا سعى بالبو أيضا في اتجاه آخر ...(هدفه) الاستيعاب الثنائي للمستوطنين الإيطاليين والشعب الأصلي للبلاد (ما جعل بالبو يصرح بأن) تعايش الجانبين (وصل) بالفعل إلى حالة من الانسجام والتوازن الذي يمكن أن تحسدنا عليه تلك القوى الاستعمارية التي أجرت قبلنا اختباراتها بالخصوص في مستعمراتها الشمال أفريقية».(صص 284- 285).

وهنا أزعم أن الباحث يونس لم يفكك تماما الأبعاد الأيديولوجية لمفهوم الشعب الأصلي في السياق الاستعماري؛ فهذا المفهوم في الأنثروبولوجيا السياسية يعطي دلالة أبسط وأعمق، وهي انتماء جماعات وأفراد لشعب ينحدر من سكان قدماء في بقعة جغرافية ما، تعرّضوا للاضطهاد أو التهميش من قِبل قوى مستعمرة وافدة، وعُومِلوا بشكل غير إنساني، مما جعلهم يعيشون وفقا لعاداتهم وتقاليدهم الخاصة بعيدا عن مؤسسات الدولة المهيمنة.

وأجادل أن استخدام إيطاليا مفهوم الشعب الأصلي في هذا السياق هو للتذكير فقط بأن من سبقهم ومنذ القرن السابع للميلاد (الفتح الإسلامي) عبارة عن غزاة طردوا المحليين من بلادهم واحتلوها وأن مهمة إيطاليا في ليبيا المحافظة على هذا الشعب الأصلي المهدد بالانقراض فتقرر تجنيسه، تجنيس لا يتم إلا بفصل الليبي الأصلي (المواطن) عن ليبيا (الوطن) الذي صار اسمها الشاطئ الرابع.

ولست في حاجة للتنويه بأن المقصود بالانسجام لا علاقة له بالمواطنة الحقيقية، بل بالتجنيس، أي منح الجنسية الإيطالية لبعض سكان مدن الساحل (الشاطئ الرابع) ووفق شروط صارمة أهمها: طاعة ولي الأمر والخدمة العسكرية.

وفي هذا الصدد يذكر مصطفى يونس «أن هذه المواطنة الخاصة... كانت محدودة ومخصصة فقط لمجموعة صغيرة من الأشخاص ذوي المتطلبات المناسبة التي من الممكن أن تتلخص في كونها موالية جدا للنظام الفاشي (نوع من مكافأة الولاء، يلحظ بالميري، التي منحها النظام الفاشي لليبيين الذين كانوا بشكل خاص في السياق القدسي الطوباوي» ( ص.296). كما يوضح يونس الشروط الإجرائية المفروضة قانونا، مستطردا بأنه كان: «على الليبيين المشار إليهم في المادة (5)، والذين يتطلعون إلى الحصول على الجنسية الخاصة، أن تتوافر فيهم الشروط والمؤهلات المناسبة للحصول على هذا اللقب.

وعلى وجه التحديد، كان مطلوبا أن يكون المرشح قد بلغ الحد الأدنى لسن الثامنة عشرة، ولديه معرفة باللغة الإيطالية قراءة وكتابة، ولم تصدر بحقه أية أحكام جنائية أو غيرها، وأن يكون من منتسبي منظمة شبيبة الليتوريو العربية للعام واحد على الأقل، وسبق له الانخراط في الخدمة العسكرية لإيطاليا الفاشية» (ص. 292).

وهنا يتجلى السؤال الجوهري: ماذا عن حقوق الوطن والمواطن؟ فالوطن ــ وكما أسلفت ــ تحول جغرافيا وسياسيا إلى مجرد شاطئ رابع لإيطاليا، أما الليبي الأصيل فكان عليه أن يتخلى عن هويته ليصبح إيطاليا. ومع ذلك، ورغم إعلان مدن الشريط الساحلي شاطئا إيطاليا رابعا وتقديم العديد من الليبيين طلبات تجنيس، فإن الجنسية لم تمنح لجميع سكان الساحل.

إن حركة تجنيس «السكان الأصليين» ليست من ابتكار الفاشيين بالمناسبة، إذ تعود جذورها إلى القانون الأساسي للعام 1919؛ ففي العهد الليبرالي كان بإمكان ساكن الساحل الليبي تقديم طلب للحصول على الجنسية الإيطالية المحشورة بـ «بعض الحقوق السياسية والانتخابية، على غرار المشاركة في اجتماعات البرلمانين المحليين اللذين أُنشئا في ذلك الوقت، [لكن] وبموجب مرسوم صادر العام 1927... أُلغي القانون الانتخابي والبرلمانات المحلية بالكامل».(صص 286- 287). تأسيسا على ما سبق، أرى أن الحرص المنسوب لبالبو على تحديث ليبيا وتمدين الليبيين هو أمر مبالغ فيه إلى حد كبير؛ ففاقد الشيء لا يعطيه.

والمدقق في الإجراءات القمعية التعسفية التي كانت تتخذها الفاشية ضد المعارضة الإيطالية في البلد الأم، يتبين له تهافت مساعي بالبو (أحد أركان النظام الفاشي) لـ «تجسير الهوة» بين الإيطاليين (السادة/ الأقلية) والليبيين (العبيد/ الأغلبية)؛ إذ إن التجسير وبناء المواطنة يتطلبان فضاء من الحرية، وهي ذات الحرية التي حَرَم الفاشيست الأحرارَ الإيطاليين من ممارستها في «وطنهم الأم! »

فموسوليني، ووفقاً لما يذكره المؤرخ الإنجليزي سميث، «لم يكن... ليخاطر أبدا بالسماح بحرية التعبير... وقد اتُّهم بإنفاق ضعف ما تنفقه فرنسا على الأمن العام، وأكثر من ربع مليون ليرة لمراقبة شخص بريء واحد؛ وهو بينيديتو كروتشي (Benedetto Croce)... كما أنشأ موسوليني للسجناء السياسيين مستوطنات جزائية (Penal settlements) في جزيرة ليباري (Lipari) وجزر أخرى، وهو الإجراء الذي... أدانه ذات يوم باعتباره لا يليق ببلد متحضر، ولكنه الآن وصفه بأنه عملية ضرورية للنظافة الاجتماعية».

بناء على ذلك، ليس من المنطقي، وإن خالف بالبو بعض قرارات موسوليني، أن ينهج في ليبيا سياسةً تخالف المبادئ الجوهرية للفاشية؛ وهو أحد القادة الأربعة (Quadrumviri) الذين قادوا مسيرة روما العام 1922 التي أوصلت الحزب الفاشي إلى سدة الحكم. فسياسة الاستيطان في ليبيا تحت حكم بالبو مثلا، كما يقول المؤرخ الإيطالي سيجري (Segre)، لم تكن من مآثر بالبو الفردية، بل من مآثر النظام الفاشي التي لا تُنسى؛ ففي «سنة 1940، وبعد هجرتين جماعيتين كبيرتين، صار ما يقرب من 40 % من 110 آلاف إيطالي في ليبيا من المستوطنين الزراعيين، وكان معظمهم من العمال الزراعيين المعدمين وعمال المياومة.

وهكذا قدمت ليبيا في عهد بالبو تأكيدا رائعا لادعاء النظام بأن الإمبراطورية الإيطالية في أفريقيا لم يتم غزوها من أجل ذوي الامتيازات، وإنما لإعطاء إيطاليا البروليتارية منفذا، على الأقل، لحياة مزدهرة». وهذه السياسة بالمناسبة، لم تكن هي الأخرى من مبتكرات بالبو، بل كانت امتدادا لسياسة سابقة سهر على تنفيذها في أوقات سابقة كل من: حاكم طرابلس إميليو دي بونو (Emilio De Bono 1925-1929)، وأول حكام ليبيا الموحدة بييترو بادوليو (Pietro Badoglio 1929-1933).

في الختام؛ إن المستهدف في الفحص المعرفي، وكما أسلفت، ليس «شخص المؤلف»، وإنما «فرضية العمل» التي تشكل ناظمه الأساسي. والحديث عن الفرضية يستوجب سلفا وجودها؛ فصاحب المنفى الذهبي لم يطرح سؤالا مركزيا في مقدمة الكتاب واكتفى بالتنويه إلى أنه أعد «بحثا مبتكرا يتبنى المنظور الليبي في قراءة أحداث هذه الفترة الفاشية». والسؤال هنا: هل المنظور الليبي في تقدير مصطفى يونس هو فرضية الكتاب؟ ولنفترض جدلا أن الفرضية والمنظور شيء واحد ألم يكن من الواجب عليه اختبار فرضيته هذه؟ فحتى تكتسب الفرضية صيغتها العلمية لا بد أن تختبر وتبرهن.

بيد أن المتصفح للكتاب يتبين له أن المنظور الليبي، وأيا يكن الفهم الخاص له، لا علاقة له ببنية العمل. فالمتمعن في عنوان العمل وفي عناوين الفصول بالكاد يجد رابطا يجمع متن العمل بذاك المنظور الموعود. وهذا الخلل البنيوي يعود في تقديري لسبب رئيسي وهو انحياز مصطفى يونس لنظرية التحديث، عن غير وعي منه ربما، معتقدا أن الإصلاح والتحديث شيء واحد. فالإصلاح عادة ما يقترن بمعالجة خلل ما، التعليم مثلا، بهدف إعادته إلى حالته الطبيعية؛ وبهذا المعنى فإن ما قامت به إيطاليا في مجال التعليم لم يكن سوى إصلاح وظيفي حمى النظام التعليمي المحلي (التقليدي) من ناحية، ولوح من ناحية أخرى بتحديث انتقائي، كانت وظيفته عزل العلم عن المعرفة. والسؤال ما الذي تغير منذئذ؟


1 - Smith, Dennis Mack, Mussolini, New York, Alfred A. Knopf, 1982,147.
2 -Claudio G."Italo Balbo and the colonization of Libya", in: Journal of contemporary History, Vol. 7, No.3/4 Jul- Oct (1972),141.
3 -Ibid, 142.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»