قد نصادف فى الحياة جمعيات أو أفرادا يدعون إلى الإفراج عن «أهل الرأى» المعتقلين فى السجون، ولكن قليلا، بل نادرا جدا، أن تجد من يدعو أو يطالب بالإفراج عن فئة كبيرة من المجتمع معتقلين خارج السجون! والسؤال: كيف يكون الإنسان مسجونا خارج السجن؟!
السجن (بعيدا عن القضايا الجنائية) يعنى القيد على حركة الإنسان وتفاعله مع المجتمع، وهو حجر على حريته، بما يشمل حقه فى السفر والترحال، وتقييد حريته فى التعبير وإبداء رأيه فى الشأن العام لو كان مخالفا لأهل السلطة القائمة، أو تقييد حريته فى التفكير والاعتقاد لو كان مخالفا للثقافة السائدة.
السجن خارج السجون يعنى فرض قوانين على الإنسان دون الرجوع لما اتفق عليه المجتمع فى الدستور، فما بالك لو لم يكن بالبلاد دستور!
السجن خارج السجون يعنى إكراه الإنسان على نمط معيشي لا يرتضيه، وإجباره قسرا بما يتعارض مع حريته الشخصية، فهناك سجن يكون فيه الإنسان مسجونا داخل إطار المنظومة الثقافية التى يعيش فى كنفها، منظومة لا تنتج إلا «العقول المؤطرة» أو الممنهجة، ويظهر ذلك فى علاقتنا مع الموروث، حيث تتمسك الناس به بدافع العادة والخوف من الجديد، مما يؤدى إلى صعوبة نقده، أو الخروج عن نسقه الثقافي، حيث يحتاج الإنسان إلى كثير من الجهد عند محاولته القيام بالتأمل والتفكير النقدي لما هو عليه من فهوم وأفكار، فيكتشف أنه تمت برمجة عقله بحكم النشأة والتلقين حتى صار ذا عقل أحادي، فيغدو الخروج من الأسر عسيرا، والأرجح أن يظل المرء متمسكا برؤيته القديمة نفسها، لأن عاداته وبرمجته الفكرية وتكوينه الخاص يؤديان به غالبا إلى النتائج نفسها التي انتهى إليها من قبل، ومن الصعب أن يتخلى الإنسان تماما عن طريقته السابقة في النظر، ويتأمل واقعه بموضوعية وبرؤية جديدة.
وهنا وجبت الإشارة إلى أن الخروج عن عادات المجتمع ليس سهلا، بل يتطلب عزيمة قوية وإرادة، لأن الشخص سوف يلاقي معارضة قوية من المجتمع الذى يميل إلى الاستقرار بما هو عليه، ويخاف التغيير وعواقب التغيير.
هناك أيضا «سجن العادة»، فالعادة لا تُقتلع بسهولة، بل بمجاهدة وبناء وتعويض وصبر وصدق مع النفس، وحالة التعود تخلق نوعا من الرتابة والجمود والعزلة، حيث يتوهم المرء أن ما اعتاده هو الصواب بعينه لا مجرد عادة ذاتية خلقتها ظروف خاصة. ومع انتشار تلك الحالة، تضع تلك الجموع نفسها تلقائيا في مركز الكون، لا من كبرياء واعٍ، بل من ضيق أفق، فكل ما هو مألوف لديها يصبح طبيعيا، وكل ما هو مختلف يصبح مشبوها، وتتحول العادات إلى مقدسات والآراء إلى بديهيات، وكل من يحاول «اﻻستقلالية» يجد ذلك أمرا فى غاية الصعوبة، وربما ﻻ يستطيع الإنسان الخروج من دائرة المألوف دون عقاب!!
تلك الاستقلالية قد تكون صادمة للعقل الجمعي وبديهياته ومسلماته مع أنها فى غاية الأهمية، ويبقى التفكير النقدي هو ما نحتاجه، ودونه لا نستطيع تغيير الواقع. أما اجترار ما ألفناه وتعودنا عليه، ورسخ عميقا فى العقول، فلا فائدة مرجوة منه لإحداث التغيير المطلوب.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات