في (شيكاغو)، ازدحمت سنة 1854 قاعة رديئة الإضاءة برجال، أغلبهم لم يشذبوا لحاهم، فيما كان كثيرون منهم عابسين كما لو أنهم مجتمعون فوق خزان صرف صحي لم يحكم إغلاقه! فيما كانت قلة من نساء ملتصقات ببعضهن البعض في مقاعد القاعة الخلفية من الجهة اليسرى، وتحديدا أسفل ركن معظم مصابيحه الكهربائية محترقة.
كان سبب حضورهن لهذا الاجتماع، هو سماع فتاة شابة، استهلت حديثها قائلة، في وقار: «أنا (سوزان أنتوني) جئت لأطالب بقسط أوفر لحرية المرأة..». وما أن صمتت قليلا لتلتقط أنفاسها، حتى قاطعها، ساخرا، جلف أغبر الوجه: «وهل تريدين أن تلبسي السراويل؟..».
فضجت القاعة بالضحك، فيما انطلقت حبة طماطم أصابتها في صدرها، وسريعا ما انهالت عليها الخضروات الفاسدة وأيضا بيض منه ما أصابها فيما تناثرت قشوره وصفاره حولها. لم تعبأ بهم واستمرت هادئة، غادر كثيرون القاعة، فيما بقي قليل منهم، ناقشها بعض منهم بعد انتهائها من خطبتها. في النهاية قالت السيدة سوزان بعدما حمدت الله: «كان اجتماعا حسنا، لقد بدأنا نضيء الطريق!»
من ذلك التاريخ، استمر نضالها ست سنوات، واظبت خلالها على المحافظة على ابتسامتها، وهي تستمع إلى عبارات التهكم والاستهزاء، واستمرت طوال 58 عاما، واهبة نفسها لكفاح طويل انتهى بمصافحتها لرؤساء أميركا من «إبراهام لنكولن» إلى «تيودور روزفلت» لها وتكريمها، لأنها هي من كانت وراء إلغاء قوانين أميركية كانت تجعل رب الأسرة حاكما مسيطرا، له ملكية كل شيء بما في ذلك ثياب زوجته وأموالها! حتى أنه يستطيع أن يحرمها من ميراثه ويتركها فقيرة معدمة! يقال إن حبها للحرية مرجعه كونها تنحدر من سلالة (الكويكرز) التي تعرف أيضا، بجمعية الأصدقاء الدينية، وهي مجموعة من المسيحيين البروتستانت نشأت في القرن السابع عشر في إنجلترا على يد جورج فوكس.
وكثروا في الولايات المتحدة، وشرق أفريقيا، وبريطانيا، وظلوا مركزين على تأكيد تعاليم يسوع؛ ويعد (وليم بن) أحدهم ويدعي أنه هو من أسس مستعمرة بنسلفانيا في العام 1682. لتكون ملاذًا للكويكرز الإنجليز الذين تعرضوا للاضطهاد بشكل مستمر. واشتهروا بكثرة عدد العلماء، وكثيرون منهم نالوا جوائز نوبل. وتميزوا أيضا في رفضهم المشاركة في الحروب. أيضا في الجهود الخيريَّة، مثل إلغاء العبودية، وإصلاح السجون، والمشاريع في تنمية العدالة الاجتماعية.
الحديث عن (الكويكرز) شائق ومثير، غير أن الحديث عن السيدة (سوزان أنتوني) يحتاج إلى مجلد كامل، فهي باختصار شديد من كانت وراء نيل المرأة الأميركية حقوقها كاملة، حد أنها أوصلتها إلى ترؤس الولايات المتحدة الأميركية!
والواقع أن نشاطها، ونجاحها في إيصال المرأة الأميركية إلى أعلى المناصب سببه في تقديري، قناعتها بقول ظلت تردده كلما بدأت نضالا من أجل ما للمرأة لخصته عندما نُصحت بالتخلي عن قناعتها بحقوق المرأة، تأسس في تقديري، في قول شهير لها، مفاده: «إن كل ميؤوس منه فليس بحق!»
وأعتقد أنكم توافقونني على قوة هذه الحقيقة، ويكفي أن ما وصلت إليه المرأة الأميركية، وما نراه ونسمع هنا كل يوم! تقول المصادر إنها حضرت أول اجتماع للجمعية الدولية للنساء في برلين، على أساس أنها سيدة أبطال «نساء الأرض» وتحقق كفاحها من أجل حق النساء في الانتخابات، وفي آخر مؤتمر حضرته سنة 1906 كانت قد بلغت من العمر 86 عاما استقبلها الجمهور بعاصفة من الحماس والتقدير، ورحلت عن عالمنا في السنة نفسها، ولا شك أن تأثيرها العالمي نشاهده، حتى الآن، وفي يوم، من بعد قرابة قرنين من رحيلها!
ولعلنا نتذكر، لنترحم عن سيدات عربيات، منهن بنات بلادنا، اللواتي بدأن مبكرا مسيرة نعيش نتائجها، الآن، وهن كثيرات يتعين أن نذكرهن بالخير، فمن يشعل شمعة واحدة، فقد بدد ظلاما، فما بالك بشموع على طول الطريق.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات