من شواطئ حوض المتوسط إلى ضفاف نهر التايمز، أُتيح للحكاية الليبية أن تسافر من لغة إلى أخرى. هذا ما فعله الكاتب الشاب «يونس محجوب»، حين طوع لغته الإنجليزية لإعادة إنتاج مختارات من حكاياتنا المحلية. ليبادر والده الشاعر والباحث «منعم المحجوب»، من بعد، بنقلها مجددًا إلى العربية تحت وسم «بلاد اليميم»، وقد زودني، مشكورًا، بنسخة من المخطوطة المعربة.
ولأن كل شيء في هذا العالم يبدأ بحكاية، سيكون المرء أكثر فاعلية وحضورًا وانسجامًا مع نفسه ومحيطه الاجتماعي، عندما يبني حكاية تخصه بهيئة كلمات تُروى. فعبر الحكاية ينجم قدر من التحقق للراوي والمتلقي في آن واحد. لكن ما سر ارتباط هكذا نشاط بالليل، حيث تبدو أجمل أوقات الحكاية تلك التي تسبق ذهابنا إلى النوم، كأنها بساط ريح يحملنا إلى بر الأحلام؟ أو هي جسر بين مسافتين، وحياتين، وبين لغة ولغة. ويكفي أن كل شيء في هذا الكون يبدأ وينتهي بحكاية، بوصفها النسيج الأول لكل السرديات الأخرى. لهذا كنا، في أيامنا، نُصغي بكثير من الشغف والحماسة لمن بحوزته حكاية تُروى.
كان ذلك قبل أن يدخل التلفزيون إلى البيت الليبي، ويتعرف الأطفال على برامج الكرتون (الرسوم المتحركة). في ذلك الحين كان يقع على عاتق الجدة، أو الأم أحيانًا، تأدية دور الراوية، بطريقة لا تخلو من الطرافة والتمثيل، ولا سيما حين تقتضي بعض وقائع الخرّافة (كما كنا نسميها) تقليد أصوات الدواب والطير والمخلوقات الغريبة، التي تتطلب محاكاتها قدرًا من مهارة تقليد أصوات الحيوانات والمردة. وقد ظلت تتجلى مآثر هكذا مسامرات ومؤانسات في مجتمعنا الليبي حتى مطلع عشرية السبعينيات من القرن الماضي.
كأن هذه الباقة المقترحة من حكايات «بلاد اليميم» تطمح هي الأخرى، وبكثير من الاحتفاء والشغف، إلى استعادة تلك اللحظة، التي كانت خلالها الجدة تؤثث خيالنا بمغامرات أثيرة لا تُنسى؛ أي أنها تحاول إنصاف الجدة والحكاية في آن واحد، كضرب من الاعتراف والتكريم. فوحدها الجدة كتاب حكاياتنا الذي لا ينضب أبدًا؛ فما الحياة سوى حكاية صاغتها المخيلة الجماعية خلال مسيرتها، بحثًا عن الحقيقة، بوصفها خريطة افتراضية لمعرفة الطريق إلى الكنز.
وفي الأثناء قد لا تكفي حكاية واحدة، طالما هناك احتمال لأن تكون الطريق محفوفة بعديد المخاطر والمكابدات؛ لذا تضافر حشد من الحكايات التي لا تُحصى، من بينها هذه الفصيلة التي انطوت عليها «بلاد اليميم»، كما قرأتها في نسختها المترجمة إلى العربية، ليقترح علينا كاتبها أكثر من حكاية شعبية، من حكايات ليبيا؛ بعضها لا يزال يحتفظ بالمذاق نفسه الذي روته الجدات، فيما انزاح بعضها الآخر لتأثيث دلالات أكثر ثراء تحتمل تأويلات شتى.
ربما لأن التوغل بعيدًا في أسرار الحياة، بتجاربها وخبراتها، لن يكون بتلك الطمأنينة المرجوة، ما لم يكن في وسعنا تكريس الخيال أداةً لفتح المغلق. من هنا يبدأ تأثير الحكايات وفاعليتها في المجتمعات البشرية. فما المكابدة المضنية من أجل أن يتغلب الإنسان على المخاطر المحدقة به، لينتصر الخير على الشر من جهة، وأن تتحقق إرادة المعرفة عبر الظفر بالمفتاح السحري من جهة أخرى، إلا سلسلة طويلة من المغامرات باتجاه رحلة المغامرة والاكتشاف، في ملحمة الإنسان الكبرى.
تعد الحكاية الشعبية بمثابة الأم الحاضنة، والرحم الذي خرجت من لدنه الأجناس السردية بمختلف أنواعها: ملحمة، ومقامة، وقصة، ورواية؛ ولا سيما أن المتن الأكثر شهرة ورسوخًا في تراثنا الحكائي العربي جسدته حكايات شهرزاد عبر «ألف ليلة وليلة»، وكذلك حكايات بيدبا في «كليلة ودمنة». ويكفي أن القارئ في الضفة الأخرى، و(إلى وقت قريب)، يكاد لا يعرف شيئًا من أدبنا العربي، باستثناء حكايات شهرزاد، التي كادت تتبوأ مكانة تشبه تلك التي احتلتها ملحمتا الإغريق: «الإلياذة» و«الأوديسا». وحسب الدور المعرفي الذي اختزلته الحكاية، يمكن القول إنها كانت الإشارة الأهم لطفولة الحضارات.
فمنذ القدم بدأت الحياة بحكاية صغيرة. وثمة أسطورة أفريقية تقول إنه في الماضي السحيق لم تكن هناك حكايات على وجه هذه الأرض؛ لأن الملك الجبار، الذي يعيش في كوكب آخر، هناك حيث تلمع النجوم في السماء البعيدة، قد أخفى جميع الحكايات في صندوق ذهبي لا يُفتح أبدًا إلا بمعجزة السحر، خبأه بجوار عرشه الملكي. ولأن الرجل العنكبوت، كما تقول الأسطورة، كان يبحث عن حكايته الخاصة، صنع سلمًا من نسيج خيوطه الرقيقة القوية، وصعد إلى السماء القصية لكي يسترد حكايته الضائعة.
ما فعله «يونس محجوب» هنا قد يتعدى وظيفة توثيق ذاكرتنا السردية في مستواها الشعبي، وصبها في لغة أخرى، ليضمر، في الآن نفسه، عديد الإشارات المحفزة على إعادة تفعيل الحكاية وتدويرها، بوصفها تاريخًا للمعرفة، وطريقة مثلى للحوار والتفكير، وذاكرة جمعية ينبغي تعزيزها لتكون أكثر قربًا، ولا سيما من حقائب الناشئة. لأن أجمل ما في الحكاية أيضًا أنك، حيثما توغلت بعيدًا في هذا العالم، ستجد حكاية أخرى قريبة الشبه بحكايتك الأولى، تلك التي كنت تظن أنها تخصك وحدك، وإذا بها مشاعٌ يتداوله الناس في شتى أنحاء المعمورة. وغالبًا ما كانت الحكاية تُدشن سردها بالعبارة نفسها: «كان يا ما كان في قديم الزمان».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات