Atwasat

«طاحوا نجوم الليل»

جمعة بوكليب 5 ساعات
جمعة بوكليب

معجميًّا، يدورُ معنى «طَاحَ» حول السقوط والتهاوي. يُقال «طاحَ الشيءُ» أي سقط وهوي. ويعني كذلك الهلاك والضياع؛ فيُقال «طاحَ فلانٌ» أي هلك، أو تاهَ وضاع في الأرض. كما يعني الذهاب والاتساع، فيُقال «طاح ثوبه» أي بلي وفني. و«طاح السهم» أي مضى ولم يصب الهدف.

وفي التصريف: طاحَ، يَطِيحُ، طَيْحاً. ويُقال أيضاً: طاحَ، يَطُوحُ، طَوْحاً. وفي المصدر: الطّيْح أو الطوّح. ويُقال للمشرف على الهلاك أو الضائع: طائح. 

هناك أغنية شعبية ليبية تقول: «طاحوا نجوم الليل وأنتِ وينك»، بمعنى اختفتْ النجومُ فأين أنتِ؟ القاص والروائي الراحل أحمد ابراهيم الفقيه اختار هذه الجملة الأخيرة عنواناً لإحدى قصصه المشهورة، وجعلها عنواناً لمجموعة قصصية مميزة نشرها في السبعينيات من القرن الماضي. وقرأت في وقت مضى ليس بعيدًا، على الإنترنت، قصة قصيرة بعنوان «طاحن نجوم الليل» للقاصة انتصار بوراوي. وفي القرآن الكريم: «والنجم إذا هوى» بمعنى سقط. وهذا يعني أن النجوم تسقط من عليائها، أو تختفي عن أنظارنا بطلوع ضوء النهار.

في غرب ليبيا، يغنونها «طاحوا نجوم الليل» وفي شرقها وجنوبها، حسب علمي، يغنونها «طاحن نجوم الليل». وفي قواعد اللغة العربية الاثنان خطأ. والصحيح «طاحت نجوم الليل» والسبب، استنادًا إلى أهل اللغة، لأن النجوم جمع غير العاقل، لذلك يعامل معاملة المفرد المؤنث الغائب. فنقول طاحت النجمة أو طاحت النجوم.

النجوم ليست واحدة، يقول أهل الاختصاص، وإن بدت لنا من بعيد كذلك. بعضها زائف؛ تبدو لنا كنجوم لامعة، لكنها لا تتلألأ مثل النجوم الأخرى، بل يكون ضوؤها ثابتاً. وهناك أيضاً الأقمار الصناعية التي أضحت في السنوات الأخيرة تملأ السماء فوق رؤوسنا، وتظهر لنا كنجوم تتحرك بسرعة وانتظام عبر السماء. تقول المصادر الفلكية إن كثيراً من النقاط المضيئة هي في الحقيقة عائلات نجمية. بعضها يظهر على شكل عناقيد. النجوم ليست كلها بلون واحد، بل متعددة الألوان؛ بعضها يُسمى العمالقة الزرقاء، وبعضها العمالقة الحمراء، وبعضها النجوم البيضاء والصفراء. وحين نسمع أغنية شعبية تبدأ بـ«طاحوا نجوم الليل ..»، من حقنا أن نتساءل: أي من هذه النجوم يقصدها المغني أو المؤلف؟
النجوم التي تقول الأغنية إنها طاحت تعبير شعري-مجازي يقصد به التعبير عن تأخر وصول الحبيبة في موعدها.

تلكَ الأغنية الشعبية الحزينة لا تُنسى. كانت في الشق الأبكر من شبابنا أغنيتنا المفضلة. كنا ندندن بها لأنفسنا، ونغنيها مع بعضنا في جلسات السَمر في ساعات متأخرة من الليل. وأغلبنا، وقت الغناء، كان يذرف الدموع من عينيه. ولا أحد يعرف على وجه الدقة: هل كانت تلك الدموع نابعة من شفقة على قلوبنا الطريّة من عذاب الوقوع في الحب؟ أم من عذاب الحرمان منه؟

بين النجوم في السماء والدموع في العيون، يبدو الحبّ، وقتذاك، حلمًا معلقًا بخيط غير مرئي في المسافة بين الاثنين. فلا هو يصل إلى السماء وينأى مختفيًا فنرتاح، ولا هو يتواضع وينزل إلى الأرض ويقترب منا فيُفرحنا.

آنذاك، كانت اللوعة قد اتخذت من قلوبنا مأوى وسكنًا. وكانت نيرانها تزداد ضراوةً كلما ازداد إدراكنا ووعينا بالحرمان من الحب، وبشدة حاجتنا إليه. وكلنا كنا نعرف أن تلك الحبيبة المذكورة في الأغنية لن تأتي؛ ليس بسبب السهر، أو لأن «خذتها عينها» ونامت، بل لأنها لا وجود لها أصلاً. وكنا ندرك أن الأمر سينتهي بعد انتهاء السهرة ومسح دموعنا، وعودتنا نجرجر أقدامنا إلى بيوتنا، مقهورين محرومين. وأن حبيبات مشتهيات كثيرات سوف يأتيننا في أحلامنا، تعويضًا عن ذلك الحرمان.

حين نستيقظ صباحًا، نجد الدنيا من حولنا كما تركناها ليلاً قبل النوم. والعالم الذي نعيش فيه لم يتغير، وقد لا يتغير مطلقًا. وليس أمامنا، آنذاك، سوى مواصلة الغناء بحرقة عن حبيبات لا وجود لهن إلا في مُخيّلاتنا، قد لا يأتين مطلقاً، حتى وإن طاحت مختفيةً كل نجوم الكون.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»