عمر الأشهب والزمان والحدث في أكتوبر 1963 بعد مايو بخمسة أشهر لاحظ عبر مسألة الحدود وما تسرب عن اجتماع الجزائر بأن ثمة صحفاً أجنبية خاصة في روما مهدت وسبقت في الكلام عن تلك المطامع وعلى ضوء ذلك الاجتماع الذي ظل تحت الطاولات. الصحف غمزت غمزاً واضحاً في ليبيا وشككت تماماً في عدم قدرة أبنائها على معرفة أهمية البترول والاستفادة منه. أعلنت من طرف خفي بأن معلومات سياسية مهمة تلقتها من محافل مختلفة ولها وزنها عن مطامع بعض (الدول العربية في ليبيا).
لماذا يظل الأمر سراً ومخفياً عن الناس والرأي العام الوطني طالما سبقتنا إيطاليا التي احتلتنا ذات يوم بعيد إلى الإشارة لما وقع في الجزائر؟ ألسنا من الجديرين بهذا السبق والإعلان قبل غيرنا؟ هكذا ربما تساءل بمرارة عمر الأشهب بعد صبر طال من الأشهر خمسة. لماذا لا نتكلم ونناقش ونخوض موضوعاً يهمنا قبل الآخرين؟ لماذا القيود والمنع والتستر حول ما حدث في شأن ليبيا. ألا يهم شارع صحافتها تناول المسألة ووضعها بالكامل فوق (الطبق). لم يعد ثمة ما يسكت عنه ويدارى مدارة خلف الزوايا. لا بد من المشاركة. إذا سكت الآخرون فإن الزمان يسجل ولا يسكت على الدوام.
كان مقال الأشهب جاهزاً عبر هذه التساؤلات المتخيلة. كان طويلاً وقاسياً. نشِر على امتداد الصفحة الأولى من العدد الصادر في الثاني من أكتوبر 1963. كتب الأشهب فيما قال: «أقول هذا وبين يدي قصاصة مترجمة عن صحيفتي الكوريري ودي انفورما تسيوني الصادرتين بتاريخ 24 أغسطس 1963 جاء فيها نقلا عن أحد المصادر المطلعة في إحدى العواصم الكبرى أن اجتماعاً حصل في المدة الأخيرة بين قطبين كبيرين في أحد البلاد العربية تناولا فيه وضع خطة محكمة لاحتلال ليبيا وتقسيم مناطقها البترولية إلى مناطق نفوذ بين تلك الدولتين المشتركتين متى حان الوقت المحدد لذلك. والمصادر المعنية التي تسرب منها هذا الخبر الى الصحف المشار اليها هي مصادر دبلوماسية بالطبع».
ثم يمضي الأشهب في مقاله مؤكداً جدية الأمر حتى ولو كان مجرد إشاعة طارت في الهواء وأخذه بالاهتمام. يقول في السياق المذكور: «ما دمنا قد ذكرنا هذه المصادر فعلينا أن نذكر جميع الافتراضات التي نحاول من ورائها أن نستنتج صوراً متعددة عن نشر هذه الإشاعة ومدى أثرها والغاية من إشاعتها او القصد منها!».
كان الأشهب فيما أزعم والأمر الآن في ذمة التاريخ.. يستند إلى هامش حرية التعبير المتاحة عبر الصحافة الليبية ووفقاً للدستور وقانون المطبوعات المعمول به منذ العام 1959. ولذلك فهو سيداوم القول تحت هذه المظلة التي تكفلها الدولة وتساندها بطريقة أو أخرى. وطالما كان الأمر كذلك وينبغي أن يكون كذلك.. فهو يضع رؤيته طبقاً لما يجري ويحدث في المجتمع كل يوم بل كل لحظة. يقول هنا بصراحة واضحة: «عالجنا هذه الإشاعة معالجة نفسية وواقعية ذلك على ضوء سلوك ليبيا مع جميع الدول العربية والدول الأجنبية سلوكاً يكاد يكون في السياسة الخارجية أمراً مثالياً لا مثيل له في سياسة الدول الأخرى. ليبيا المعتزة بكيانها ونظامها وتاريخها العريق وعقائدها الصافية النقية الروحية البناءة ستحترم كل من يحترمها وستقف في وجه كل طامع يتربص بها ولن تتخلى عن أي شبر من أراضيها لأي طامع مهما كان هذا الطامع عربياً أو أجنبي ونحن لا نكترث بالخطط المبيتة حتى من أولئك الذين أويناهم وقت الشدة وغمرناهم بمختلف صنوف الرعاية والعناية حتى إذا وقفوا على أقدامهم أصبحوا يتآمرون على كياننا ويريدون نهب ثرواتنا مع الغير في خطة مبيتة تتسم بمعاني الغدر والتنكر. فإلى هؤلاء جميعا نعلن بأننا شعب قادر على الإطاحة بأي خطة غادرة قد وضعت من الغير ضدنا مهما كان الأمر».
الأشهب في مقاله نبه وحذر واستشرف ما خلف جدران الشموس البعيدة. ظل يستمر عبر السطور مستنداً إلى الهامش المتاح وتمرير ما يريد الإفصاح عنه وإيصاله إلى دوائر الدولة ثم المواطن بلا استثناء. كانت الحكومة يومها برئاسة د. محيي الدين فكيني. استلمت الأمور منذ مارس 1963. بدأت سياستها بالدبلوماسية واحترام العلائق الدولية. رئيسها كان وزير الخارجية في ذات الوقت. لديه خبرة في تمثيل ليبيا في الأمم المتحدة. شرعت في خطوات إعادة بناء مدينة المرج بعد الزلزال الذي أصابها في فبراير ذلك العام. اعترفت ليبيا بالنظام الجمهوري الجديد في اليمن.
التزمت الحياد في الصراع الناشئ أيامها بسبب اليمن وظروفه بين مصر والسعودية وأطراف أخرى. أعطت الحكومة براحاً للرأي وأسهمت في العفو عن مدد حكم بها أعضاء تنظيم حزب البعث في ليبيا. عادوا إلى حياتهم العادية. منحت تراخيص لصحف جديدة بدأت في الصدور مع مطلع 1964 واستمرت بعد استقالة فكيني فيما عطل بعضها كما سنرى. حكومة فكيني مثلت حالة شبابية متقدمة في السياسة الليبية المعاصرة ونظر إليها الكثيرون بأنها خطوة كبيرة في الإصلاح والتغيير نحو الأفضل.
وهنا ووفقاً لهذه المعطيات وغيرها المتصلة بعمل الحكومة وإنجازاتها لم يفت على الأشهب رئيس تحرير الزمان والمسؤول عما يكتبه في المقال الشهير أن يخاطب الحكومة المعنية بالقول المباشر: «في الوقت نفسه نطلب من الحكومة أن تتحرى الحقائق التي نشرت في الصحف المشار إليها في هذه المقدمة ما دامت مصادرها الدبلوماسية مذكورة في تلك الصحف وإذا ثبت للحكومة الليبية صحة ذلك فعليها إدانة تلك الجهات المعنية في نطاق المفاهيم الدولية. أما أن تبقى الحكومة ساكنة عن مثل هذه الأوضاع المخيفة فهو أمر يأبه الشعب الذي له من القدرة والمقدرة ما يجعله قادراً على حفظ كيانه مقدساته التي لا تداس أبدا».
كان الأشهب في الجزائر وقت الاجتماع الذي تسربت خفاياه. ووقف بطريقته الصحفية ومتابعة المعلومات من مصادره وعلاقاته هناك على ما جرى. لكنه صمت بعد العودة. وفقا لتأكيدات الدولة بعدم الخوض في الموضوع عندما وصلتها هي الأخرى المعلومات من مصادرها الأمنية والدبلوماسية. وكان في المقابل ذكياً بالتقاطه فرصة ما نشرته الصحف في روما فانطلق منه لطرح الموضوع داخل ليبيا. كان ذلك وسيلة له لنقل ما حدث ولم يشر في مقاله على متابعته للمسألة في الأصل بوجوده في الجزائر.
ومع ذلك كله اعتبر الأمر برمته مخالفاً للأعراف الصحافية وتوجيهات الدولة. وأن ما طرح في جريدة الزمان ستنشأ عنه ضجة ومشاكل داخل البلاد وهو أمر لم يحدث على الإطلاق ولكنه لحق بضرر للجريدة بتهمة إثارة البلبلة فعطلت من قبل الحكومة عن الصدور لمدة ثلاثة أسابيع. كان الموضوع حساساً لكن جريدة الزمان لم تتأخر عن مناقشة ما وقع فيما التزمت الصحف الأخرى.. مستقلة أو حكومية الابتعاد والارتكان إلى السلامة.
العام 1963 يلامس بأحداثه صحافة ليبيا. يجعلها تتوغل في مناطق الشوك. ولكن في تفاصيل غير تفاصيل الحدود. جريدة حكومية تنشر مقالات متوالية تلامس الملك وأسرته وجذورها بالرمز. وأخرى عن الأم التي لها من الأولاد ستة لم يحرصوا على برها. وجريدة مستقلة تنشر قصيدة ملتهبة عن ثروة البترول وسماسرته.. لفتت الأنظار الى من هو في خارجه (كبير وداخله قعواره)!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات