Atwasat

المسرح والحكواتي

عمر الكدي 1 يوم
عمر الكدي

وصل المسرح إلى ديار العرب متأخرا في القرن التاسع عشر، على الرغم من أن الرومان والإغريق تركوا خلفهم مسارح أثرية، تقريبا في معظم البلدان العربية.

مسارح على شكل دائري غير كامل، تتسع لمئات وربما آلاف المشاهدين، واعتقدوا أنها مكان لمشاهدة المبارزة بين المقاتلين، أو بين المقاتلين من العبيد والوحوش المفترسة، فكلمة المسرح في معاجم اللغة العربية تعني المكان الذي ترعى فيه الأنعام، واشتقت الكلمة من الجذر الثلاثي «سرح»، ومنها السارح أي الراعي، ولا أدري كيف كيَّف اللغويون هذه الكلمة لتعني هذه الخشبة التي تقدم فوقها الفنون الدرامية، والدراما كلمة وافدة إلى اللغة العربية من اللغات الأوروبية، فالجذر الثلاثي «درم» لا يعني ما يقدم على المسرح من فنون. تقول العرب «درم القنفذ أو الأرنب»، أي قارب الخطو في سرعة، ودرمت الدابة دبت دبيبا، ودرم الصبي مشى مشية الأرنب، ودرم البعير أي تراجعت لثته وقارب سنه على الوقوع، وفي المحصلة فكلمة مسرح وكلمة دراما تحيل إلى البهائم وليس إلى البشر، إلا عندما يقولون فلان سرح من الخدمة العسكرية مثلا، أو يقولون عن المعتقل أطلق سراحه.

في كتابه «لسان آدم» يقف المفكر المغربي عبد الفتاح كليطو عند كلمتي «تراجيديا وكوميديا»، ويذكرنا بما كتبه أديب الأرجنتين الكبير خورخي بورخيس، وهو يصور في إحدى قصصه كيف ترجم ابن رشد هاتين الكلمتين، عندما كان عاكفا على ترجمة كتاب أرسطو «فن البلاغة». توقف ابن رشد عند هاتين الكلمتين ولم يجد ما يعادلهما في اللغة العربية. حاول الغوص عميقا دون جدوى، وأخيرا نفد صبره خاصة وأن ضجيج الأطفال الذين يلعبون تحت نافذته جعله يفقد التركيز، فأطل عليهم وشاهد ثلاثة أطفال يمثلون دور الخطيب والمصلين في المسجد. أحد الأطفال جسد دور المنبر، وصعد طفل على كتفيه ليجسد دور الخطيب، بينما سجد الطفل الثالث ليجسد دور المصلين، وعندها عاد ابن رشد إلى أوراقه وترجم الكلمتين «مدح وهجاء». يقول كليطو ربما بسبب هذه الهفوة تأخر العرب في التعرف على أهمية المسرح.

تصرف ابن رشد كما يتصرف أي فقيه ولم يتصرف كفيلسوف، فالفقيه يعود إلى الأصول ويقارن كل فكرة وافدة مع تلك التي في الأصول، هذه ما تفعله مدرسة النقل طوال تاريخها، بينما دور الفيلسوف هو تجذير مفاهيم جديدة واختراع كلمات ليست موجودة.
هل كان يقصد بورخيس تصوير عجز الثقافة العربية عن الوصول إلى المسرح من داخلها، عندما اختار المشهد الذي كان يلعبه الأطفال الثلاثة؟ أم أنها مصادفة؟ ولكن ذلك الكفيف الذي يرى ببصيرته وصل إلى الحقيقة بطريقة ساخرة كعادته، فالثقافة العربية لا تتسع للمسرح لأنها ثقافة تلقين.

يجلس المشاهدون صامتين ويقف شخص واحد ليلقنهم ما يجب أن يفعلوه، قد يكون شيخ القبيلة أو أمير المؤمنين أو خطيب الجمعة أو الحكواتي، وفي العصر الحديث استمعوا إلى الزعيم الملهم، والمحرض الأيديولوجي، ومذيع نشرة الأخبار، ولم يستغنوا عن خطيب الجمعة، ولذلك يصر الفقهاء على صحة الحديث المنسوب إلى الرسول والذي نقله مسلم في صحيحه «من لمس الحصى فقد لغا ومن لغا لا جمعة له»، بمعنى أن جمعته باطلة، وفي نفس الوقت يروي الترمذي وأبوداوود والنسائي، حديث عمر بن الخطاب «أصابت امرأة وأخطأ عمر»، ويقولون إن عمر كان يخطب في الناس «بالتأكيد خطبة الجمعة»، ونصح الناس بعدم المغالاة في المهور، فقامت إليه امرأة وقالت له «يعطينا الله وتحرمنا، أليس الله سبحانه وتعالى القائل (وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا)، والقنطار هو المال الكثير، فأدرك عمر صواب قول المرأة، وقال «أصابت امرأة وأخطأ عمر»، ولكن الفقهاء لا يريدون تحويل الجامع إلى مكان للتشاور والحوار، وإنما إلى مسجد يتم فيه الإنصات والسجود والركوع، حتى يضمنوا طاعة القطيع لولي الأمر قبل الله.

لذلك كان الحكواتي يجلس على مصطبة عالية مثله مثل الخطيب، وليس عبثا أن يبدأ حكايته بقوله «كان يا ما كان في قديم العصر والأوان فيه سلطان، وما السلطان غير الله، واللي عنده ذنوب يقول استغفر الله»، فيرتفع صوت المستمعين بالاستغفار ثم يعم السكون، بالضبط مثلما يفعل خطيب الجمعة، ولكن في الحقيقة هناك سلطان غير الله يفعل بهم ما يشاء.
المسرح خرج من بيئة ديمقراطية في أثينا وروما، وخرج من تنظيرات الفلاسفة والمفكرين، بينما خرج الحكواتي والخطيب من بيئة استبدادية، وحتى قبل الإسلام لم يكن هناك مكان متسع للحوار أكبر من دار الندوة في مكة، وبعد الإسلام سقيفة بني ساعدة في المدينة، وعندما خطب قس بن ساعدة قبل الإسلام في سوق عكاظ خطبته الشهيرة ختمها بأبيات شعر تقول «في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر، لما رأيت موارد للموت ليس لها مصادر، ورأيت قومي نحوها تمضي الأكابر والأصاغر، لا يرجع الماضي إلى ولا من الباقين غابر، أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر»، أي اللغة المقفاة المسجوعة التي تناسب الثقافة الشفوية ليتم حفظها بسهولة، وليست لغة الفكر والفلسفة التي تركز على المفاهيم أي على الفهم وليس الحفظ، ولذلك لا يزال العرب يتذكرون خطبة الحجاج بن يوسف في جامع الكوفة «أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني»، وهي أبيات لشاعر مغمور خلدها الحجاج لأنه كان جالسا على منبر أمير المؤمنين.

ولذلك ليس غريبا أن يزدهر في هذه البيئة مسرح العرائس، وهو فن عرفه سكان المنطقة منذ حضاراتهم القديمة منذ 4000 سنة، وفي هذا الفن يعلم جميع المشاهدين أن الممثلين مجرد دمى، يحركها مخرج بخيوط يختفي تحت الطاولة، وأنها لا تستطيع أن تتكلم فقط تتحرك وفقا لمشيئة المخرج، بينما على خشبة المسرح هناك بشر من لحم ودم يستطيعون الكلام، وهو الأمر الذي كان يخشاه الحكام والكهنة، ولذلك علينا أن لا نتفاجأ عندما نكتشف أن المسرح السياسي في بلداننا لا علاقة له بالمسرح الحقيقي، وإنما هو مجرد مسرح عرائس، لذلك عندما غادرت ليبيا عام 1999 حضرت قبل خروجي المهرجان الوطني الخامس للمسرح، وكان قد مر ثلاثون عاما على وصول القذافي إلى السلطة، ومع ذلك لم تفلت من رقابته الصارمة إلا خمسة مهرجانات على أصابع اليد الواحدة، ربما لأنه صدق من قال إن المسرح أستاذ الشعوب، وأعطني مسرحا أعطك شعبا طيب الأعراق، ولكنه في الحقيقة حول البلاد على شساعتها، إلى ميدان صغير في قرية نائية، وجلس على المصطبة مثلما يجلس الحكواتي، وعندما وصل إلى أرذل العمر في المرحلة الأفريقية تحول مسرح العرائس أو ربما كما كان يسميه شعبه الشيشباني.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»