Atwasat

حكاية قديمة كالقديد!

أحمد الفيتوري 1 يوم
أحمد الفيتوري

بين بيت جدتي وبيت أبي أمتار، تطول في الليلة الظلماء، التي تنساب فيها مخيلتي كما ينساب بولي، ويبدو وكأن شياطين وعفاريت الدنيا ليس لديها شغل غيري، فتخرج من كل فج، من جبانة اليهود ومقبرة المسلمين لكي تشاكسني وتخيفني. تتحول الطريق بين البيتين، إلى شاشة تعرض أفلام الرعب، ولما نندلف إلى البيت أندس بالسرير، من هول ما رأيت أدخل أقانيم النوم دون أحلام وكوابيس، ثم أفيق في الصباح الباكر خفيفا فرحا، أتلمس أطرافي سعيدا بنجاتي مرة أخرى من قبائل الليل، بطون الظلام ومقاتليها الشرسين. وأذهب حتى دون إفطار إلى المدرسة، لأستمع لحكاية جديدة من المعلم، لأعود مسرعا للبيت لأسرد ما تيسر من الحكاية لجدتي، متباهيا في داخلي بأني أيضا لديَّ زوادتي من الحكايات.

أندلف إلى البيت مسرعا ومهرولا، منبطحا وقافزا فرائحة طعامها يجرجرني من أنفى، عند الضحى توقد كانون الفحم، نار هادئة تنوس في الكانون في رقص ناعم، ببطء تتنقل مداعبة «البرمة»، طنجرة الفخار التي تضعها جدتي بتؤدة على الكانون، بعد أن تقلي البصلة في قليل من القديد، تضع «الدمعة» صلصة الطماطم والفلفل الأحم، وشيئا من البطاطا أو الفول اليابس إن وجدا.

ثم تغادر المكان تسرح في غيره، تبدد بقية الوقت، وحين تكون عائدة من المكان أو اللا مكان، الذي أودعت فيه ساعة زمان أو ساعتين، عندها طزاجة الطعام تكون قد أخذت تبعث مراسيلها في مسارب ومسارب، ومن مساربها أنفي ولساني الذي يلحس الهواء، فيأكلني الجوع مندلفا إلى البيت، لما تدلق البرمة في صحن الفخار الذي يضم ما جاءه كحاضنة، ولا أعرف هل آكل الطعام أم أنه يأكلني، فجدتي لا تطهي طعاما بل تؤلف بين طبيعة وأخرى أو أنها تحتفل، اللون الأحمر والنغمة الحارة، تنغم الكركم وتوزع الدهن وتمنطق الأخلاط، وتلاعب بالملعقة هذا في هذا، فتطيب المذاق، تذوب الريق وتعسل القيلولة.

- الغذا اليوم مقطع، رشدة برمة ... كول يا جعان
- البرمة مليانة والكسكاس فرغان ... كول يا جعان.

لا أنام الظهيرة، فالليل يتسرب مع ظلي، يحتوي يومنا، وإن جاء، جاء النوم، فالظلام قاهري وجدتي، وليس من سلاح غير فتيلة، تنوس في حفرتها بجدار الدار المواجه لمدخلها، لما ينوس الفتيل تنبثق ظلال وظلال، في هذه الظلال يكمن الوجود، فيها أول الليل أطفال وعصافير ورجال وطيور ونساء وحمام وحملان وغدران، في آخر الليل أشباح وغيلان ومساخيط وكل ما (دب وهب)، فب أول الليل يسيل اللعاب في آخر الليل يجف اللعاب، في أول الليل ينساب الكلام، في آخر الليل يسيل الخيال.

وما أكثر الليالي التي يجب أن نباتها جوعى، ولأن بطن الجائع عدوه، فإني أشتبك في معارك طاحنة والجدران التي تدر الأشباح درا، وتسيح المساخيط والغيلان في الخيال سيلا، والحق على الدار لا الخيال. كأني أقاتل الجوع بالخوف، أو أن الخوف زوج الجوع وأني ربيبهما، ولأن الجوع رجل فإنه يقصي الدفء، الأنثى عني ويجفل النوم، الطفل البريء. وإذا في ليلة ليس ثمة برمة أو كسكاس كيف للنوم من سبيل، ما أكثر ما تدثرت بمثل هذه الليلة فأصبحت عاريا، وما بي مرض لتنشغل جدتي بي، وحيد وفي الدار وحتى في الفراش كل عدو، والعدو لا يخون، فكيف لي ألا أعطيه بظهري وأتمترس بالهامة التي تسمى الشمس، فآخر الليل أول النهار أو كما يقال.

النوم أخذ جدتي منى، حين كنت محاصرا بين جدار الغرفة وبحر الغيلان، لم أفاجأ مثلما فوجئت بذلك الصبح الذي تفتق بغتة، ووجدتني أحضنه وهى تحضنني، اجتاحتني غبطة النجاة بل غبطة المنتصر، فقد ولت جيوش الليل مدحورة كما اندحرت غيلانه، لما منحتني كوب الشاي الساخن كنت ساعتها أطير مع عصافير الصبح، خرجت إلى المدرسة فرحا باليوم الجديد.

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»