منذ اللحظة الأولى التي تلمس فيها شاشة هاتفك الذكي، تنطلق خلف هذا الزجاج المصقول سلسلة لا نهائية من المعاملات التجارية والآليات الدعائية؛ صفقات ضخمة تُعقد وتُدار بدقة دون أن تراها، لأنها مخبأة بعناية خلف الستار.
فلنقل إنك نقرت لفتح صفحتك على «فيسبوك» — المنصة المفضلة لدى أغلبية الليبيين، التي بها يبدأون يومهم وبها ينتهون أيضًا — لتجد المنصة في انتظارك بشوق، لا لترحب بك، بل لتجمع المزيد من المعلومات التي لم تكن تعرفها مسبقًا، أو لتتأكد من تفاصيل دقيقة حول شخصيتك، وميولك، ورغباتك، وماذا تنوي أن تفعل الآن. لا يهمها، في هذه اللحظة، أن تعرف إن كنت شخصًا حقيقيًا باسمك الفعلي، أم مجرد حساب باسم خميسة العتروس، في حين أنت المواطن مخلوف الجغندغي!
كل هذه البيانات ستحصل عليها المنصة رغمًا عنك، لتستخدمها لـ«خدمتك»، كما تدعي، بما في ذلك الخدمات المجانية والإرشادات الفنية. تتصفح التطبيقات بلمسات سريعة، فتظن، واهمًا، أنك المستهلك الذكي الذي يحصل على كل شيء بلا مقابل، بينما الحقيقة الصادمة هي أن كل حركة لسبابتك تُترجم فورًا إلى بيانات رقمية يُعاد تعبئتها وبيعها في أضخم سوق عرفها التاريخ البشري.
وفي عالم الإنترنت المتوحش، توجد مئات، إن لم نقل آلاف، الشركات المتخصصة في جمع البيانات بمختلف أشكالها وأهدافها. تعتاش هذه الشركات على أمر واحد؛ وهو المعلومات الشخصية التي يوفرها المستخدمون عبر تصفحهم لمواقع الشبكة المختلفة، سواء كانوا يسألون عن ثمن السجائر في بولندا، أو سعر الموز في باريس، أو حتى عن فصيلة القطط المفضلة للتربية المنزلية، وهلم جرًا.
تجمع هذه الشركات تلك المعلومات من الأثر الرقمي الذي نتركه خلفنا، ثم تصنفها، وتقسمها، وتعدها بطريقة مخصصة تناسب رغبة كل زبون؛ فمثلًا، تُقدَّم لتجار الحيوانات الأليفة البيانات الخاصة بالمهتمين بالكلاب المنزلية فقط عبر شبكات إعلانية متخصصة، وباعة الموز كذلك، وهكذا دواليك. وتحول تلك الشركات المعلومات التي جمعتها إلى بيانات سلوكية محددة، تبيعها للمنتجين الذين يهمهم أن تصل دعاياتهم إلى الفئة المستهدفة بدقة، في أي بقعة من العالم.
فشركة «ألفابت» (Alphabet)، وهي الشركة الأم المالكة لـ«غوغل»، على سبيل المثال، حققت العام الماضي (2025) عوائد فلكية تُقدر بأكثر من 401 مليار دولار، وكان نصيب الإعلانات منها قرابة 295 مليار دولار في عام واحد؛ أي أن أكثر من 73% من إيرادات الشركة جاءت مباشرة من الإعلانات الموجهة. إنها إعلانات يمولها منتجون لمختلف السلع والخدمات؛ بدءًا من أولئك الذين يصنعون مراوح الطائرات الضخمة ولا شيء غيرها، وصولًا إلى نظرائهم الذين ينتجون ألعاب الأطفال، والآخرين ممن يصنعون مختلف أنواع المعكرونة.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي على الخط، صار للإعلانات وصناعة وجمع المعلومات بُعدٌ آخر أكثر تعقيدًا، ولكنه أكثر دقة أيضًا، وفي الوقت نفسه أسرع في التصنيف والتبويب لتلك المعلومات قبل بيعها. ومن اللافت أن ذات الأسلوب الذي تستخدمه شركات الإعلان في جمع المعلومات والتربح منها، يمارسه أيضًا «الهكرز» المحترفون؛ فعندما يخترقون أي قاعدة بيانات لأحد البنوك مثلًا، فإنما يسيطرون على قاعدة بيانات الزبائن التي هي شريان حياة البنك، ويعمدون بالتالي إما إلى بيعها للبنك نفسه — أي التخلي عنها مقابل فدية مالية — أو بيعها لمنافسيه، وحتى لشركات الإعلان.
وقد بادرت شركة ذكاء اصطناعي تُدعى «ميكرو إيه جي آي» (Micro AGI) بإطلاق مبادرة «شفت» (Shift)، بتقديم عرض خدمة غريب جدًا وخارج نطاق عملها، ألا وهو تنظيف البيوت، منطلقة من مدينة نيويورك. وكل من يرغب في الخدمة عليه ملء استمارة على الإنترنت وانتظار دوره، وعليه أيضًا أن يقبل شرطهم الوحيد: أن يأتيه عمال النظافة مدججين بالكاميرات، ومنها ما يثبتونه فوق قبعاتهم لكي يسجلوا كل حركة وكل فعل تأتي به يد عامل النظافة، مع تركيز أكبر على حركة اليدين، وتُرسل تلك المعلومات فورًا إلى مقر الشركة، حيث يتم تصنيف تلك المعلومات أولًا لغرض بيعها لاحقًا بعد إخفاء مصادر البيانات، وثانيًا، وهو هدف الشركة، لكي تستخدمها في تدريب الجيل القادم من الروبوتات المستقلة للقيام بأعمال التنظيف المنزلي على أكمل وجه.
واتسعت هذه الخدمة لتشمل مهنًا أخرى خارج المنازل، حيث تجعل الشركة ميكانيكيين يصورون حركاتهم أثناء «تصليح السيارات في تركيا» مثلًا؛ أي أن غاية مؤسس الشركة «بيركان كيليتش» في النهاية هي جمع «أطنان» من البيانات لتدريب الروبوتات على القيام بتلك الأعمال وممارستها كما العامل المحترف، وربما بأكثر دقة. وهذا ينقلنا نحن البشر من خانة المستهلكين فقط، كما يرانا السوق، أو مرضى كما يرانا القطاع الصحي، بل نتحول نحن وحركات أجسادنا اليومية ومهننا ومشاعرنا أيضًا إلى سلع تباع وتُشترى.
إن الخطورة في هذا الأمر تتعدى أن خصوصيتنا لم تعد موجودة، بل، خاصة مع زيادة استعمال الذكاء الاصطناعي، أننا نتحول تدريجيًا إلى حقل تجارب ومحاولة لتحويل طبيعتنا ومشاعرنا الإنسانية وميولنا الكامنة إلى أرقام ومؤشرات قابلة للقياس — أي تحويلها إلى كميات (Quantification). أي أنه يجرى «تسليعنا» بالكامل بما في ذلك أحاسيسنا مثل الحب والميل الداخلي، وصولًا إلى الفرح والحزن. ولم تعد الشركات العملاقة اليوم تركز على الأثر الرقمي الذي نتركه وراءنا من أجل تحويله إلى بيانات لتستهدفنا شركات الدعاية والإعلان بأطنان من الإعلانات التجارية، بل أصبحت ترانا كمنتج أو سلعة ليس إلا. فيما إذا كنا ندري أو لا، نشارك في تدريب بدائلنا من الروبوتات التي ستحل محلنا في الكثير من الأعمال عاجلًا أو آجلًا.
ولا يقتصر هذا الشره لجمع البيانات على النفع التجاري المباشر للشركات، بل يتحول إلى أداة هيمنة استراتيجية وإعادة إنتاج للنهج الاستعماري بأحدث أساليب التقنية؛ فالشركات والدول الكبرى كالولايات المتحدة لا تبني فقط نماذج ذكاء اصطناعي تُصاغ وفق رؤيتها واحتياجاتها، بينما تُدرب ببيانات ومعطيات الشعوب الأخرى، بل تمتد هذه الهيمنة إلى قطاعات سيادية مثل القطاع الصحي.
وفي هذا السياق، حاولت الولايات المتحدة مؤخرًا ربط معوناتها المخصصة لمكافحة الأوبئة العالمية — مثل «إيبولا» ومرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) — بحصولها على كامل البيانات الوبائية، وأنظمة الصحة الرقمية، وعينات مسببات الأمراض في كل دولة من الدول المستفيدة من تلك المعونات.
ومنذ شهر فقط حاولت واشنطن الاستحواذ على تلك البيانات في مفاوضاتها حول اتفاقيات صحية ثنائية مع دول أفريقية، مثل غانا وزيمبابوي، اللتين رفضتا التوقيع على تلك الاتفاقيات الثنائية المقيدة خارج أطر منظمة الصحة العالمية لضمان السيادة على بياناتهما. ما تريده واشنطن هو تحويل مجتمعات بأسرها إلى «مزارع بيانات» حيوية وسلوكية وحقول تجارب لها دون أي مشاركة للنتائج مع تلك المجتمعات.
وأمام هذا الانفلات التجاري التقني، ما زالت القوانين المحلية الحاكمة لمثل هذه الأعمال متأخرة كثيرًا؛ فحتى التشريعات الصارمة، مثل «اللائحة العامة لحماية البيانات» في الاتحاد الأوروبي، ما زالت عاجزة عن السيطرة الكاملة على الأشكال الجديدة من البيانات السلوكية والحركية. فبينما تُباع هذه البيانات تحت شعار «إخفاء الهوية» (Anonymization)، يثبت الواقع الرقمي باستمرار أنه يمكن إعادة ربط هذه البيانات بأصحابها بسهولة عبر مطابقة أنماط السلوك والمتغيرات الديموغرافية.
ختامًا، نحن لا نعيش فقط في عالم «اقتصاد الانتباه (Attention Economy)»، القائم على فكرة العالم الاقتصادي والحائز على نوبل، هيربرت سايمون، بأن غزارة المعلومات تخلق نقصًا في الانتباه لدى البشر، بل انتقلنا رسميًا إلى «اقتصاد الاستخراج البشري الشامل» (Human Extraction Economy)؛ حيث لم نعد مجرد مستهلكين للسلع، بل أصبحنا نحن — بعقولنا، وسلوكنا، ومشاعرنا وأحاسيسنا، وحتى أسلوب حياتنا داخل منازلنا — السلعة الأساسية والأكثر ربحية في سوق رأسمالي لا يتوقف عن السعي للربح بأقل التكاليف، فيما يمضي قدمًا في احتكار المعرفة والسيطرة عليها ضمن نطاق ضيق محدد.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات