في تاريخ معظم الثورات كانت الشعوب تحتمي بفكر النخبة الواعية، لمكانتها المجتمعية، وقدرتها على التأثير، ورؤيتها في توجيه إرادة الجماهير لحسم الفعل بالتغيير. فكل الأنظمة السياسية في العالم، مهما بلغت من هيمنة، فهي لا تحتمي سوى بأدوات السُّلطة القمعية، تلك الأدوات التي رأيناها تنهار أمام صوت الثورات، ليبقى تأثير النخبة واقعاً مثالياً في جوهر التغيير.
كانت النخبة هي الضامن الفكري لمطلب التغيير بكبح الانحراف الأمني، والحدّ من اندلاع الفوضى التي قد يُشعلها منحرفون ومجرمون ومرتزقة مأجورون لحساب أعداء التغيير، ومحسوبين على النظام المنهار، وهي الظاهرة التي غلبت على معظم ثورات العالم الثالث، وكانت البلاد العربية نموذجاً ماثلاً للفوضى في غياب تأثير النخبة، الأمر الذي جعل التغيير عارياً بلا فكرة، وبلا بوصلة لتحديد مستقبله.
ففي مصر مثلاً صنع «الإخوان» ثورة «أيديولوجية» دينية تخريبية كادت تفسد مشروع النخبة الوطنية، بل وعطّلت الفكر من استنباط النتائج المحتملة، فكان الضامن الوحيد لتصحيح مسار الثورة هو «جيش الشعب»، الذي نزل الشارع، ومنع الإخوان من مشروعهم التخريبي، ولينتصر المشروع الوطني الذي كان يقوده مثقفون من التيارات الوطنية، ومنها حركة «كفاية» التي قادها المفكر الراحل الدكتور «عبدالوهاب المسيري» والكاتب «عبدالحليم قنديل»، وآخرون من مثقفي «الحركة المصرية من أجل التغيير».
وفي تونس سيطر «الإخوان» على البرلمان ومقاليد الحكم بقيادة «الغنوشي»، الذي كان وراء عمليات التخريب التي شهدتها تونس بعد التغيير، وخلال فترة وجيزة من التمكين استطاع تصنيع «الإرهاب»، وتصديره إلى ليبيا وسوريا في عمليات لوجستية مع التنظيمات الإرهابية التي رعاها وقادها التنظيم «العالمي» بدعم قطري وتركي صريح تحت مسمّى ثورات «الربيع العربي»، وهي في الحقيقة ربيع مشروع «برنارد لويس» الهادف إلى تقسيم وتفتيت الوطن العربي تأسيساً لقيام «إسرائيل الكبرى» من النهر إلى البحر!
عادت مصر إلى أحضان شعبها بعد اختطاف إخواني، غابت فيه قسرياً عاماً كاملاً من المعاناة، وكادت تُجهض فكرة التغيير من الأساس. وعادت تونس إلى شعبها بعد سيطرة إخوانية، بادرت بالاغتيالات والتفجيرات، وقد عجزت عن الحوار الفكري مع نخبة الحرية المدنية التي يعيشها التوانسة، وكان الإخوان يبنون مشروعهم على ذريعة الفقر والبطالة، بما يجعلهم طوق النجاة، وهُم بادّعائهم الإسلامي لم يستطيعوا حتى التشريع لعطلة الجمعة بدل السبت!
في ليبيا تمكّن الإخوان من السيطرة على مفاصل الدولة مستفيدين من أخطاء إخوانهم في مصر وتونس، فاستثمروا في واجهات سياسية واقتصادية وإعلامية من الليبراليين الانتهازيين، وتوجيههم تحت سلطة قراراتهم، فبالمال والسلاح والإعلام تمكّنوا من بسط قبضتهم على العاصمة، والهيمنة على «المؤتمر الوطني».
وأمام ضعف نظر «مجلس النواب»، الذي تشكّل «قبلياً» خارج الوعي السياسي، بلا نخبة واعية ولا فكرة وطنية، ليصطدم في النتيجة بتيار فكري إسلامي ممنهج مبني على المكر والدهاء، حُكمت البلاد بالسيطرة على المال والسلاح والإعلام. وخلال كل مراحل الأزمة، لم يستطع البرلمان استصدار تشريعٍ بتجريم التنظيم كما فعلت مصر. ونتيجة هذا الضعف وقع البرلمان في مصيدة «الصخيرات»، التي أنتجت المؤتمر الوطني من جديد تحت مسمّى «المجلس الأعلى للدولة» بسيطرة إخوانية، لتنتهي هذه «الدولة» إلى مماحكات سياسية همُّها «السُّلطة» فقط، ونهب المال العام، ولا شيء آخر ينقذ الشعب من عذاباته!
الخطأ الفادح الذي نشب في ليبيا خلال أحداث فبراير لم يكن في سيطرة تنظيمات الإسلام السياسي، بل في الفراغ المعرفي الذي كان سائداً قبل الأحداث وخلالها، وهو العامل الأساس في اندلاع الفوضى التي أرادها الإخوان أن تكون، دون رادع فكري يحمي فكرة التغيير. فحين غابت النخبة الوطنية الواعية، وتراجع المثقف العضوي عن أداء وظيفته النقدية في المجتمع، أصبح المجال العام، بعد سقوط النظام، مستباحاً لكل من يملك المال والسلاح والإعلام، والقدرة على التعبئة الأيديولوجية.. وكان تنظيم الإخوان سبّاقاً لامتلاك هذه الركائز، للسيطرة على الوضع، وتسخير إمكاناته في مرحلة فراغ فكري أنتجت عاطفة جماهيرية عمياء، لا ترى أمامها سوى أن يسقط القذافي، وليأتِ من بعده من يأتي، دون انتباهٍ للمخاطر الآتية!
لقد دخلت ليبيا بعد عام 2011 مرحلة من غياب الوعي، وقد كانت في أمسّ الحاجة إلى عقل سياسي يسبق البندقية، وإلى مشروع وطني يسبق التكالب على السُّلطة، فتكاثرت الحكومات قبل أن تتشكّل الدولة، وتعدّدت المؤسسات دون مرجعية إدارية نظامية، بينما ارتفعت الشعارات، وتكوّنت الأحزاب دون تعريف واضح لـ«الوطنية الجامعة»، فصار كل فريق يحتكر الوطنية لنفسه، ويصادر حق الآخرين في تمثيل الوطن.
لذلك لم تكن الأزمة الليبية أزمة دستور مؤجّل، ولا أزمة انتخابات معطّلة فحسب، وإنما أزمة وعي بالدولة نفسها التي خذلها ضعف البرلمان المنشغل بالمزايا. فالدولة ليست صندوق اقتراع فقط، ولا توزيعاً للمناصب، ولا محاصصة جهوية أو قبلية، وإنما منظومة أخلاقية وقانونية متكاملة، تجعل الجميع متساوين أمام المؤسسات، وتُخضع السُّلطة للمساءلة، وتحول دون هيمنة ساسة الارتزاق!
لعلّ أخطر ما أفرزته سنوات الأزمة هو انقلاب منظومة القيم والأخلاق. فقد أصبح النجاح السياسي يُقاس بحجم السيطرة على البلاد لا بحجم الإنجاز الخدمي فيها، وبالقدرة على المراوغة السياسية، وتعطيل الحلول، لإطالة عمر الأزمة.
وخلال هذه المماحكات التي ابتلعت صبر الليبيين، نشأت طبقة كاملة متنفّذة من المحسوبين المستفيدين من استمرار الانقسام، فكل خطوة نحو الاستقرار كانت تعني لهم خسارة امتيازات، وحتى مطلب «السلام» بين شرق البلاد وغربها أصبح يهدِّد مستقبلهم من مكتسبات العداء. كما أصبحت المصالحة الوطنية خطراً على نفوذهم من استمرار الخصومة!
إن الدول لا تنهار فقط عندما تسقط أنظمتها السياسية، بل تنهار أيضاً عندما تفقد نخبتها الثقافية القادرة على نشر الوعي في المجتمع، وإنتاج الفكرة البديلة، وحماية غايتها النبيلة، فهي التي تصنع المناعات الفكرية، لحماية الوطن والدولة. أما حين يغيب الفكر عن مأسسة إرادة التغيير، فلا يبقى سوى الصراع على السُّلطة بعوامل الفوضى.. وكل التجارب عبر التاريخ تؤكد أن السياسة التي تنفصل عن الأخلاق تتحوّل إلى تجارة، وأن السلطة التي تنفصل عن القانون تتحوّل إلى غلبة، وأن الوطن الذي يغيب عنه المشروع الوطني الجامع يصبح مُجرّد مساحة جغرافية تتنازعها المشاريع الصغيرة التي تلتهم الزمن، فتعيق قيام الدولة.
ومن هنا، فإن الأزمة الليبية لم تعُد أزمة سُلطة بقدر ما أصبحت أزمة ضمير وطني. لهذا، فإن الطريق إلى إنقاذ ليبيا لا يبدأ من تشكيل حكومة جديدة، ولا من إعادة توزيع المناصب، ولا حتى من إجراء انتخابات بمعزل عن بيئة سياسية سليمة تتشكّل بإعادة الاعتبار للفكر الوطني المستقل، وبناء نخبة وطنية تؤمن بالدولة قبل السُّلطة، وبالقانون قبل الولاء لأحد، وبالمواطنة قبل الانتماءات القبلية.. فكل إصلاح سياسي لا يسبقه إصلاح في منظومة القيم والأخلاق سيبقى مُجرّد هدنة مؤقتة في صراع طويل لا ينتهي بصيغ المراحل الانتقالية المحسوبة، التي أرهقت الشعب طيلة خمسة عشر عاماً من المعاناة والتنكيل.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات