Atwasat

عودة الابن الضال

منصور بوشناف 20 ساعة
منصور بوشناف

ثمة تراجع عن كل ما أنجز العقل والوجدان شعراً ونثراً، تراجع يطوي ما قطع من مسافات وإن كانت قصيرة في محاولات التحديث والتقدم، لم تكن المسافات طويلة ولا بعيدة، ولكنها كانت إلى الأمام على الرغم من كل التشوهات التي صاحبت تلك الخطوات.

كان العقل العربي، وهو يواجه تخلفه عما أنجزه الآخر، قد عانى الصدمة الحضارية، واستيقظ على الكارثة التي حلت به أثناء نومته الطويلة، ليدخل معمعة الصحو ومحاولة اللحاق بالآخر الذي بدأ يكتسح كل شيء، الأرض والثقافة وحتى المعتقدات، صار الأخذ بالأسباب التي جعلت الآخر أقوى وأكثر قدرة على تحقيق الغايات التي يريد أولى حالات الصحو.

شرع المفكرون والسياسيون في محاولات فهم تلك الأسباب التي جعلتنا وجعلتهم هكذا، ضعفاء متخلفون وأقوياء متقدمون.

كان الشك في الميراث وفي الذات «ذاتنا» التي أنتجت ذلك الميراث وذلك التاريخ أول معاركنا مع ذواتنا وتاريخنا، فكانت المعركة بين قراءاتنا للتاريخ وتأويلنا له، بين «اليقيني» وبين المتشكك، كان اليقيني لا يتوقف عن الترديد بأن ما جرى لنا كان نتيجة انحرافنا وابتعادنا عن قيم التراث، ولذا تعسكر وتجمد في درع التراث ونقله كما كان وكما ورثناه، بل إن مواجهة الطوفان القادم من الغرب لن تنجح «حسب ما يرى» إلا بالإحياء والتمسك بذاك الموروث، بينما تعسكر «المتشكك» ضد تلك العودة منقباً عن كل ما في ذلك التراث من قصور وتشوه وأساطير وأوهام.

تلك الصدمة أدت إلى بعض المنجزات، من أهمها طرح مشروع النهضة والحداثة، تحديث المجتمع عبر التعليم وبناء المؤسسات الحديثة ونشر قيم الحداثة، وعلى رأسها «العقل».

ولكن ذلك المشروع لم يستطع إنجاز شيء ذي بال، فلقد أثبتت الأحداث أن أطروحة تيار التحديث قد هزمت تماماً، وأن تيار العودة إلى منجزات السلف والتمسك به حرفياً هو التيار الأقوى الآن، رغم كل الشعارات والجعجعة الإعلامية التي توهمنا بمشاريع النهضة والديمقراطية والدولة المدنية.

إننا نتراجع إلى الخلف في كل شيء، وإن كانت اللافتات الطريق تشير إلى الأمام، إننا ندخل جلباب السواد وإن كان بتصاميم «بيير كردان».

عبر متابعة المنجز الأدبي، وخاصة الشعري، يظهر لنا هذا التراجع واضحاً، فقصيدة العمود الخطابية والمنبرية تطغى على كل المنابر، وتجعل الجماهير تصفق طرباً كما كانت تفعل للخطيب الشعبوي الديكتاتور، إن التفاخر والهجاء يسودان كل البحور والأوزان والقوافي، حتى قصيدة التأمل الصوفية تتراجع أمام مد «سلفية الشعر الآن».

في موسم الثقافة الذي انعقد بطرابلس، كانت الأمسيات الشعرية أمسيات عكاظية بامتياز، كانت أصوات الشعراء عالية متشنجة، تسودها المباشرة الخطابية الشعبوية، تحولت الأوطان فيها إلى حمى قبيلة.

كان مشروع التحديث الشعري الذي يقاوم لقرابة القرن قد تلاشى، ولم يتبقَ منه إلا بعض الأصوات المهمشة الخجولة.

كانت تجربة المصري «أحمد بخيت» مثلاً قد حاولت أن تستعيد «تجربة محمود درويش» عبر استعادة قاموسه الشعري، ولكنها أعادتها لحضيرة السلف الشعري والجعجعة، بالضبط مثلما استولت التيارات الإسلامية على مفردات اليسار «مثقف عضوي، دولة مدنية، ثورة مضادة، إلخ» لتعيدها إلى الحضيرة أيضاً عملاً بمشروعية «الغنائم».

إننا نتراجع ونتخلى عن مشروع النهضة، نسعى بحنيننا الظامئ إلى ذلك الجمود الحضاري الذي أضاعنا وأضاع ابننا «المستقبل» الذي نتوهم أننا نستعيده ونعيده إلى حضننا ابناً ضالاً وقد اهتدى إلى الأمس والجغ مغ.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»