«أنا نمشي لفنزويلا؟!!».. سؤال ساخر أطلقه حاكم ليبيا السابق، العقيد الراحل معمر القذافي، في خطابه الناري الشهير بـ«خطاب زنقة زنقة» أو «خطاب من أنتم؟!!».
كان هذا في مارس 2011 خلال أول ظهور لرئيس ليبيا بعد اندلاع الثورة الليبية ليلة 14 فبراير، وكان هوغو شافيز هو من يحكم فنزويلا سنتئذ، وهو على كل حال أقوى وأذكى من حاكمها مادورو، الذي اختطفته قوات دلتا الأميركية خلال ساعتين يوم أمس 3 يناير 2026.
يبدو أن معمر في 2011 كان يعرف هشاشة نظام فنزويلا، لذلك فضل الانتظار لاختيار ملاذ أمتن، أو أنه قرر ألا يغادر ليبيا حتى يذوق الموت، وهذا ما حدث على كل حال، وقصة مصرعه معروفة للجميع.
رحل معمر في أكتوبر 2011، ولحق به شافيز بعد عامين في 2013، الذي صرح أكثر من مرة بحزنه لموت صديقه أو رفيقه الليبي.
ومن شدة إعجاب معمر برفيقه الاشتراكي شافيز سمى عليه ملعب كرة قدم في بنغازي، الذي تغيرت تسميته بعد ثورة 17 فبراير إلى «ملعب شهداء بنينا».
ومن شدة كره البيت الأبيض لهوغو شافيز، اليوم أميركا فوق هجومها على القصر الرئاسي في كاراكاس، واعتقال مادورو، تقصف قبر الرئيس الراحل شافيز (كحبة مسك)، و«معها بقشيش» هو ضرب المتحف العسكري، ويبث ترامب بعيد الهجوم برومو ساخرا وشامتا على حسابه في موقع X، كما يعبث صغار المغردين بعد أي انتصار في منافسة رياضية أو لعبة إلكترونية.
فعلاً حكام العقد الأخير على مستوى العالم ينقصهم النبل، وتنقصهم الوجاهة وشرف الخصومة.. يا لطغيان البيت الأبيض.. يا لجبروت حكامه المستبدين دون أية اشتراكية ولا شيوعية، فالديكتاتورية لا نظام سياسيا لها.
حقيقة الأمر، ودون مواربة، نظام واشنطن لا يريد أن يبقي أي أثر لحكام فنزويلا، ولا كل حكام أميركا اللاتينية الاشتراكيين بخيرهم وشرهم. وفي أدبيات الغرب الإمبريالي، يسمون دول القارة الجنوبية «جمهوريات الموز»، ولطالما تعاملت معهم أميركا كحدائق خلفية لها.. سبق أن حاصروا كوبا لعقود طويلة، وقصفوا جزيرة غرينادا في ثمانينات القرن الماضي العشرين وقتلوا رئيسها. كما هاجموا بنما واعتقلوا حاكمها، وهددوا البرازيل، وعبثوا بنيكاراغوا، وناصروا بريطانيا ضد الأرجنتين في حرب الفوكلاند أو جزر المالفيناس.. وآخر «استقصار الحيط» والاستهزاء هو الشروع في تدشين سور ترامب الحديدي الحدودي في وجه المكسيك بحجة منع الهجرة.
هو العداء الرأسمالي للشيوعية والاشتراكية حتى وإن كانت نظرية في أيدي حكام مستبدين أو عادلين، سيان فالنظام الغربي ديدنه اتخاذ عدو، فإن لم يجد عدواً صنعه. فبعد حقبة الحرب الباردة، والانتهاء من منظومة الاتحاد السوفيتي في التسعينيات بتفكيكه، كان العدو المتجدد هو النهج الإسلامي المسلح، سواء كان إرهابياً أو مقاوماً وطنياً. وعندما خفتت نار تيار العنف الإسلامي أو المتأسلم، رجعت منظومة الغرب إلى العدو التاريخي الاشتراكي الشيوعي أو الاشتراكي الوطني.
ومهما يكن واقع فنزويلا أخيراً، فلا يمكن النظر إلى ما حدث، أمس، من مهاجمة عاصمة دولة آمنة لا تشكل أي خطر على أمن واشنطن القومي إلا أنه «جريمة اختطاف للرئيس مادورو».
ومهما كان حاكم فنزويلا المختطف ظالماً، كما تراه الإمبريالية وإمبراطوريتها الأمريكانية، فلا يمكننا إلا أن نتعاطف مع اليسار، ولو ثقافياً وتاريخياً، ولا نداهن أو نجامل اليمين الرأسمالي المتغطرس، شرطي العالم «الإجرامي»، الذي يكيل بمكيالين، وديدنه ودينه ازدواجية معايير وبكل صفاقة. فما الذي فعله مادورو لو قارناه بما اقترفه مجرم الحرب «نتنياهو»، رئيس وزراء دولة العدو المحتل، لبلاد «الفلسطينيين»؟!!.
يحدث كل هذا العبث والاستفراد بحكم العالم كما اتُّفق، بينما روسيا والصين يتقدمان خطوة ويتراجعان خطوات نحو بعث القطب الموازي من جديد.. ذاك المُنتظر الذي يمنع أميركا من أن تكون القطب الأوحد.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات