في قلب ليبيا، حيث تتقاطع الذاكرة مع الجغرافيا، تقف مدينة تاورغاء شاهدة على واحدة من أكثر صور الإقصاء قسوة. لم تكتفِ الحروب بتهجير أهلها، بل تحوّلت أرضها إلى مكب للنفايات، وكأنها لم تعد تُرى كمدينة، بل كفراغ يصلح لدفن ما لا نريد أن نراه.
تحويل مدينة منكوبة إلى مكب للنفايات ليس مجرد خطأ إداري أو خلل في التخطيط، بل هو فعل سياسي وأخلاقي يكرّس التهميش. النفايات هنا ليست مجرد مواد صلبة، بل رموز لإقصاء جماعة بشرية بأكملها، ودفن ذاكرتها تحت أكوام من البلاستيك والروائح الكريهة. إنها رسالة صامتة تقول: «هذه الأرض لم تعد لكم».
وعلى الرغم من أن بعض أهالي تاورغاء حاولوا العودة إلى بيوتهم، فإن الروائح الكريهة المنبعثة من النفايات جعلت الحياة هناك شبه مستحيلة. كثيرون اضطروا إلى مغادرة منازلهم مرة أخرى، وكأن العودة التي انتظروها سنوات طويلة تحوّلت إلى تجربة طرد جديدة، لكن هذه المرة عبر البيئة الملوثة لا عبر السلاح.
إن الحق في العودة يفقد معناه حين تكون الأرض نفسها غير صالحة للعيش، فالمدينة ليست مجرد مبانٍ وشوارع، بل هي ذاكرة جماعية وحق إنساني في المكان. حين تُحوَّل تاورغاء إلى مكب، فإن ذلك يعني محوًا متعمّدًا لذاكرة سكانها، وإعادة تعريفها كمساحة وظيفية بلا قيمة إنسانية. هذا الفعل يفضح كيف يمكن للسلطة أن تستخدم الجغرافيا كأداة للإقصاء.
القضية ليست بيئية فقط، بل حقوقية بامتياز. الحق في بيئة نظيفة هو جزء من الحق في الحياة الكريمة. وإذا كان سكان تاورغاء قد حُرموا من العودة إلى مدينتهم، فإن تحويلها إلى مكب للنفايات يضاعف الحرمان، ويجعل من الأرض نفسها شاهدة على الظلم.
ما يحتاجه هذا الواقع هو إعادة تسمية الأشياء: أن نرى النفايات كرمز للتهميش، وأن نعيد لتاورغاء حقها في أن تُسمى مدينة لا مكبًا. إعادة الاعتبار لتاورغاء ليست مجرد مطلب إنساني، بل شرط لبناء ليبيا جديدة تقوم على العدالة والاعتراف بالذاكرة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات