وردت كلمة حافظ في القرآن عدة مرات وتعني جميعها الصون والعفاف، «الحافظين فروجهم والحافظات» 35 سورة الأحزاب، ووردت بصيغة المفرد في سورة يوسف الآية 64 «والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين»، و«إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» 9 سورة الحجر، ولم ترد على الإطلاق بمعنى الاستظهار غيبا لأي نص من النصوص.
فعندما يحض القرآن على قراءة القرآن يستخدم كلمة اتل من التلاوة، واقرأ من القراءة، كما وردت كلمة ترتيل بمعنى التجويد، بينما وردت كلمة يتفكرون 11 مرة، وكلمة يعقلون 22 مرة، ووردت كلمة يفقهون ثلاث مرات، كما وردت كلمة يتدبرون مرتين، في حين وردت كلمة ينظرون ومشتقاتها في 25 آية، كما كرم القرآن من وصفهم بذوي الألباب «إنما يتذكر أولو الألباب» 19 سورة الرعد، «وليذكر أولو الألباب» 52 سورة إبراهيم، بينما يصف من لا يستخدم عقله «إن هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا» 44 سورة الفرقان، «إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون» 22 سورة الأنفال.
على الرغم من كل هذه الآيات الواضحة والتي لا تحتاج إلى شرح، سواء قرأها أهل القرن السابع الميلادي أو أهل القرن الحادي والعشرين، إلا أن مكانة الحافظ أعلى من مكانة المفكر في الثقافة العربية، والغريب أن الحافظ يستلم راتبا من الدولة، أما المفكر فهو عاطل عن العمل إذا كان خارج السجن، وفي عهد القذافي صدر قانون يساوي بين الحافظ للقرآن وخريج الجامعة، وبعد أن كان عدد الحافظين للقرآن يبلغ مليون حافظ، تضاعف اليوم إلى اثنين مليون حافظ، وفقا للهيئة العامة للأوقاف.
وفاز الحفاظ الليبيون بمراتب متقدمة في المسابقات بين بلدان العالم الإسلامي، ولكن هل انعكس هذا الإنجاز إيجابيا على المجتمع الليبي، فوجود اثنين مليون يحفظون القرآن في بلد تعداده السكاني قرابة ثمانية ملايين، يشكل فيه عدد الحفاظ ربع السكان، ولكن حجم الجرائم من كل صنف تفوق حجم الجرائم في بلدان يقترب عدد سكانها من المئة مليون.
نهب وسرقة وقطع طريق وقتل وخطف وتهريب وقود ومهاجرين غير شرعيين، واحتلال مؤسسات الدولة من المطارات إلى معسكرات الجيش، وكل هذا يجعلنا نشكك في صحة عدد الحفاظ، فلو تولى كل حافظ تذكير ثلاثة فقط آخرين بما جاء في القرآن لما حدثت هذه الجرائم، مما يؤكد أن تضخيم الرقم يهدف من وراءه الحصول على أكبر حصة من الغنائم.
في عهد الرسول والخلفاء الراشدين لم يظهر مصطلح الحافظ، وإنما ظهر منصب القاضي وهو منصب كان موجودا قبل الإسلام بين القبائل العربية عندما تختصم، فتلجأ إلى أحد شيوخ القبائل ليحكم بينهم وفقا للأعراف والتقاليد القبلية وحكمه غير ملزم، وفي عهد عمر بن الخطاب أوفد معاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب إلى اليمن كقاضيين، كما أوفد الصحابي عتاب بن أسيد إلى مكة، وطبعا هذه المرة سيستند القضاة إلى الأحكام التي وردت في القرآن، وإلى اجتهادات الرسول في القضايا التي حكم فيها بين المتخاصمين.
وإذا لم يجدوا شيئا في القرآن والسنة العملية للرسول، سيعودون إلى الأعراف والتقاليد القبلية إذا وافقت الشريعة، ولكن في عهد هارون الرشيد استُحدث منصب جديد هو قاضي القضاة، وعندما عرضه الرشيد على الإمام أبي حنيفة النعمان رفضه، فسجنه حتى مات في سجنه، ولكن تلميذ أبي حنيفة أبو يوسف يعقوب وافق على عرض هارون الرشيد.
فعين جميع القضاة من أتباع المذهب الحنفي في كل ربوع الإمبراطورية العباسية، والرشيد يعلم أن أتباع أبي حنيفة، من أصحاب الرأي ولا يستندون للأحاديث النبوية في أحكامهم، ولكن فيما بعد وعندما تمزقت الإمبراطورية العباسية أصبح لكل مذهب قاضٍ، فابن خلدون تولى منصب قاضي المذهب المالكي في الأزهر بالقاهرة عدة مرات ومع ذلك لم يوصف هذا المفكر الكبير بأنه مفكر. وصف بالوزير والسفير والمؤرخ وأخيرا بالقاضي، بينما كان زملاؤه في نفس الجامع قضاة الحنفية والشافعية والحنبلية.
وفي القرن الثاني الهجري مع رسوخ سلطة بني العباس ظهر لأول مرة مصطلح الحافظ، ومع مرور الزمن تشكلت طبقات من الحفاظ وقسمت على النحو الآتي: الراوي وهو من يروي الحديث بأسانيده، الشيخ وهو من يؤلف كتابا في الأحاديث النبوية، المحدث وهو العالم بعلم الأحاديث، الحافظ وهو من يحفظ ما بين ثلاثمئة ألف إلى نصف مليون حديث، الحجة وهو المدقق فيما حفظ من أحاديث وأخيرا الحاكم الذي يحكم بصحة الحديث من عدمه، ويروى أن أحمد بن حنبل كان يحفظ مليون حديث، وهو ما يرفعه في نظر أتباعه فوق مقام أبي حنيفة النعمان مؤسس مذهب أصحاب الرأي، الذي يروى عنه أنه جمع صناديق من الأحاديث النبوية وقال «ما أخرجت منها إلا اليسير الذي ينتفع به»، وفقا لما رواه يحيى بن نصر بن حاجب.
هذه التراتبية الدقيقة تترتب عليها أرباح مادية مثل الفروق بين رواتب المحاضرين في الجامعات، فالبروفيسور أو الأستاذ راتبه أعلى من راتب الأستاذ المساعد ومن المحاضر، وبهذا ابتعدت العقول عن القرآن فيكتفون بحفظه غيبا ولا وقت لديهم لدراسته مثل الحديث. لماذا؟ لأن أطراف الصراع السياسي لن تجد ما يسند ادعاءاتها في القرآن، ولكن يمكنها أن تجد ما تشاء في الحديث، وإذا لم تجد توجده بنفسها، ولهذا استقل الشيعة بكتب حديثهم عن السنة، فإذا كان للسنة مراجع في الحديث مثل صحيحي البخاري ومسلم، والنسائي وسنن أبي داوود وسنن الترمذي وابن ماجة.
فالشيعة لهم مراجعهم مثل الكافي للشيخ الكليني، وآخر للشيخ الصدوق، وتهذيب الأحكام للشيخ الطوسي، وله أيضا الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، وفيما يخص الصراع على السلطة استند كل فريق على حديث محدد، فالشيعة استندوا على حديث الغدير، «من كنت مولاه فعلي مولاه»، والسنة استندوا على حديث السفرجل، وعلى ما دعا به الرسول لصالح معاوية «اللهم اجعله هاديا ومهديا وأهدي به».
المعارضة الوحيدة في تاريخ الإسلام هم القرآوون والذين يصفهم السنة والشيعة بالخوارج، وهي كلمة قدحية تعني الخروج عن إجماع الأمة، ولم يحدث منذ الفتنة الكبرى أي إجماع، ففي العام 41 هجرية توصل معاوية والحسن بن علي إلى اتفاق، يصبح بموجبه معاوية خليفة للمسلمين، على أن يكون خليفته الحسن بن علي، وسمي العام بعام الجماعة، وهذا الاتفاق قبل به أنصار معاوية وأنصار علي، وهو يشبه في أيامنا تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، ولكن الخوارج رفضوا هذا الاتفاق، لأنهم نادوا بأن الخليفة ليس بالضرورة من قريش، في حين أن معاوية وعلي وأبناءه من عشيرة واحدة في قريش هي عشيرة عبد مناف. عمليا أسس الخوارج دولة لهم في الجزائر وعمان «الدولة الرستمية»، وسلطنة آل بوسعيد وجميعها كانت وراثية.
أي تيار آخر خارج هذه التيارات الثلاثة وصم بالزندقة والهرطقة والكفر والإلحاد، ولم يظهر مصطلح مفكر إلا في القرن العشرين ليس فقط في العالم الإسلامي وإنما حتى في أوروبا، حيث ظهر المصطلح في القرن التاسع عشر، ولكن رسخه الإنجليزي جون ميدلتون موري في كتابه «تطور الفكر» عام 1920، واليوم نوزعه بسخاء حتى أن معمر القذافي وصف بالمفكر.
على الرغم من أن مصطلح المفكر لم يظهر، ولكن ظهر مصطلح الفيلسوف، وهو مصطلح غامض جاء من خارج الثقافة العربية، وهي كلمة إغريقية معربة وتعني «المحب للحكمة»، منذ أن تبناه فيثاغورس الذي عاش ما بين 570 و495 قبل الميلاد، ويبدو أنه كان يشعر بأن العامة لن تتقبل هذا الاسم فتواضع ليصف نفسه ليس بالحكيم وإنما المحب للحكمة، ولم يشكل الفلاسفة أي خطر على السلطة بشقيها الحاكم والكهنوت، ولم يضطروا لقتل الفلاسة لأنهم كانوا يدركون أن العامة لا تفهمهم، باستثناء ما حدث لسقراط، عندما هبط من سماء التهويمات وجعل الفلسفة تسير على الأرض.
وحتى اليوم في اللهجة الليبية عندما يتحدث أحدهم بكلام غير مفهوم، يقولون عنه أنه يتفلسف، وكان أحد أقاربي الأميين عندما يتحدث أحدهم بكلام غير مفهوم يقاطعه قائلا «يزي من ها الفسفسة»، والنتيجة أن ملكة التفكير تعطلت منذ ذلك الوقت، لصالح الحفظ والذاكرة، فجميع المناهج التعليمية من الابتدائي وحتى الجامعة تشجع على الحفظ وليس التفكير، حتى عندما أصبح بإمكان الجميع أن يستدعوا أي آية في القرآن بالضغط على زر واحد على هواتفهم المحمولة.
بما في ذلك جميع التفاسير وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، ومع ذلك لم نهتم بكيف صنع هذا الجهاز، وظل تركيزنا على حفظ القرآن غيبا دون التفكير والتدبر في آياته، وكأننا لم نسمع أو نقرأ الآية 24 من سورة محمد «أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات