Atwasat

نحن والمسار الدستوري

امحمد شعيب الأحد 26 أكتوبر 2025, 08:11 مساء
امحمد شعيب

بدعوة كريمة من الأستاذ الجامعي المتميز الدكتور الهادي أبوحمرة، حضرت محاضرته المعنونة "الثقافة الدستورية: الوعي بأهميتها والأولوية بدعمها" ضمن النشاط الثقافي والقانوني على هامش معرض الكتاب الذي ينظمه مكتب النائب العام.

كانت تجربة حضور المحاضرة ملهمة، إذ بدا لي أن الرسالة التي قدمها المحاضر أعمق بكثير من عنوانها الظاهر. تناول الدكتور سؤالًا جوهريا ظل محوريا في كل مرحلة توقف عندها وهو يرصد المسار الدستوري الليبي منذ التأسيس الأول، وهو سؤال يوجهنا نحو تأمل نقدي في العلاقة بين السلطة والمجتمع.

لاحظ المحاضر نمطا متكررا في مسارنا الدستوري: محاولة الهروب من الالتزام بالدستور كوثيقة تنظم العمل السياسي وتحدد مسؤوليات السلطة تجاه المواطنين، وغالبا ما تم هو استخدام أدوات السلطة ومن بينها الإعلانات الدستورية متعددة التسمية، لكنها مضللة في جوهرها. على سبيل المثال، دستور التأسيس لم يكن عبر انتخابات، كما أن تعديله العام 1963 كان أيضا كذلك، استمر هذا الحال أيضا منذ 1969، حيث استمر العمل بالإعلانات الدستورية وإن اختلفت تسمياتها، التغيرات التي حدثت العام 2011، لم يكن من أولوياتها وضع دستور فاكتفت بالإعلان الدستوري بطابعه المحدود في الموضوع والزمن وهو ما يعكس بوضوح تجنب السلطة مواجهة مشروع دستور منتخب وديمقراطي، والاعتماد بدلا من ذلك على تسويات سياسية ضيقة لا تعكس طموحات الأمة. وما غاب عن المحاضرة هو محاولة التفسير السياسي والاجتماعي لتطورات كل مرحلة، وعلى سبيل المثال، النظام الملكي اختار الانتقال من النظام الاتحادي إلى الدولة البسيطة، ويشير تأملنا في هذه المراحل إلى عمق الأزمة المتمثلة في عدم قبول الآخر والمشاركة معه في معالجة الشأن العام.

بعد 2011، ظهر في المشهد السياسي الليبي أمران أثقلانا كثيرا. الأول هو الجهوية المشرعنة قانونيا دون استفتاء شعبي، ما يطرح سؤالاً محوريًا: ما هو الأساس الديمقراطي الذي دفع المؤتمر الوطني لتوزيع رئاسته على أسس جهوية، ثم مضى في تأكيد هذا الاتجاه عندما وضع قانونا للهيئة التأسيسية وتبعه مجلس النواب، وما لاحق ذلك من ممارسات لاحقة رسخت هذا التوجه، ولا اعتراض على ذلك إذا تم بطريقة ديمقراطية عبر استفتاء الشعب، الأمر الثاني هو رفض المجتمع لنتائج انتخابات نزيهة، سواء من قبل الفائزين أو من قبل من انتخبوهم. يعكس هذا الميل لاستخدام القوة بدل الوسائل الحضارية لحل الخلافات، ويؤكد أن عدم احترام مضمون المهمة أو زمنها المحدد يعكس أزمة عميقة في الثقافة السياسية والاجتماعية، ويؤكد أن الانتخابات غالبًا ما تبقى مجرد حدث شكلي وليس وسيلة حقيقية لتنظيم الاختلافات.

من هذا السياق، يصبح واضحا أن الأفكار مهما كانت رصينة ومستنيرة، لا تتحول إلى واقع ما لم يتحول اعتمادها إلى قوة مادية اجتماعية. فالمجتمعات لا تتقدم بالأماني أو بالأفكار الراقية فقط، بل بوجود شروط موضوعية: حريات عامة، نظام قانوني مستقر، مؤسسات مجتمع مدني، أحزاب ونقابات، ونظام اقتصادي متوازن ومستقر. حين تتوفر هذه العناصر، تتحول المبادئ الديمقراطية من شعارات إلى ممارسات حقيقية، وتصبح جهود النخب شموعا توقد في قلوب الناس أمل المشاركة، وتحفزهم على الاحترام المتبادل والانخراط المسؤول في الحياة العامة.

التحدي الأكبر أمامنا هو تحويل الرؤى النظرية إلى واقع ملموس يحمي البلاد من الانقسام، ويجعل الديمقراطية ممارسة حية يشارك فيها الجميع بوعي وحكمة. عندها، يمكن أن تتجسد التجربة الوطنية على أسس من المشاركة والعدالة والاحترام المتبادل، حيث يلتقي الفكر المستنير مع إرادة المجتمع في بناء مستقبل متوازن ومستقر، يشعر فيه كل فرد بقيمته ومكانته، ويصبح المجتمع متماسكا وقادرا على مواجهة التحديات بروح وطنية تتطلع للمستقبل.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»