عندما يقال فلان «لُغَوِيّ» بضم اللام أي منسوب إلى «اللغة»، عنده علم باللغة العربية، ولكن «لَغَوي» بفتح اللام وفتح الغين؛ فذلك من اللًّغوِ، وهو الكلام الباطل أو الذي ليس له فائدة.. فأي كلام أو فعل لا يُعتد به ولا يُنتفع منه يشير إلى اللغو، كالحديث الذي لا فائدة فيه أو الكلام الذي يخرج من اللسان عن غير قصد.
- لغا يَلغُو
- لغَا فلان أي تحدّث بأمور ومواضيع تافهة، أو لا فائدة منها ولا يعتدّ بها،
- لَغَا عن الصَّواب أي مال عنه،
- لَغَا في قوله أي أَخطأَ وقال باطلاً وتكلَّم من غير رويَّة.
واللغو من الناحية الدينية «ودون تفصيل» يشمل كل ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال.. الكلام الذي لا فائدة فيه ومن غير عقد ولم يبلغ درجة المعصية.
أما من ناحية اللهجة المحلية فأظنه يساوى ما يعرف عندنا بـ«التفتفيت» أو «الدفنقي».. وأظنه كلاما لمتحدث لديه الكثير من «المعلومات» لكن ليس لديه القدرة على ربط بعضها ببعض بشكل منطقي أو تفكيك بعضها واستعمال التفكير الناقد، لتخضع تلك المعلومات للضبط والتمحيص لأجل الوصول لنتيجة منطقية عقلانية لكي نتحصل على «معنى»، وإلا فإنها تبقى معلومات منعزلة ولن تكوّن «معرفة»، ومن هذا المنطلق فإن المعلومات لا تكفي وحدها لتكون مفيدة.
مع انتشار الإنترنت صار الكثير من الناس يملكون حصيلة كبيرة من المعلومات ولكن نظرا لطريقة تفكيرهم ومنها «التفكير بالتمني»، يذهبون إلى نتائج غير صحيحة لا يعوّل عليها، فالمعرفة تعني الوعي أو الفهم للموضوع الذي يتم الحصول على معلومات حوله من عدة أقنية، المهم أن تتم معالجتها لإنتاج المعنى.. فالمعرفة هي معلومات قابلة للتواصل والفهم والاستيعاب من قبل الأفراد المهتمين.. أما السائد، فعقلنا على الأغلب عاجز عن إنتاج المعرفة لأنه عاجز عن الفهم، بل الفهم لا ينشغل به أصلا وليس من بين أهدافه، فهو لا يستطيع الفصل بين الكلام والمتكلم ولا يستطيع الفصل بين الموضوع والشخص، ويشغل نفسه بالشخص لا بالموضوع فالغاية على الأغلب ليس الفهم إنما المبتغى هو (تصنيف المتكلم) وليس فهم الموضوع أصلا.
قد يبهرنا للوهلة الأولى أحدهم وهو يسوق في حديثه وبشكل منمق، كما هائلا من المعلومات في مختلف المجالات ولكن عندما تدقق وتتأمل وتبحث عن المعنى الذي يريد توصيله للمتلقي لا تجد أي رابط منطقي وعقلاني فيما يقول، فصاحب المعلومات بلا معرفة قد يكون لديه الكثير من «الكلام المنمق» الذى يثير الإعجاب ويحرك المشاعر والعواطف ولكنه بتقديري ﻻ يحرك العقول، ولا ينتج معنى ولا يقدم فكرا ويبقى كلاما عابرا تذروه الرياح أو كغثاء السيل، وأعتقد أن تلك آفة منتشرة بوفرة في مجتمعات التخلف.
في كتاب «ديموقراطية السذّج» لجيرالد برونير يشير إلى أنه لا يمكن مساواة كل الآراء، لأن ذلك يتطلب التمييز بين «المعرفة المبرهَنة والاعتقاد الأعمى».
ويشير إلى أن هناك خطرا يتهدد الأنظمة الحديثة بفعل انتشار المعلومة غير الموثوقة، وتراجع قدرة المواطنين على التمييز النقدي بين الحقيقة والزيف، ويرى أن الخطر يأتي بسبب تضخم الأخبار والمعلومات الكاذبة، وصعود ما يسميه بـ «المعرفة المزيّفة» التي تغذي الأوهام بدلاً من النقد العقلاني، فانتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي جعل المعلومة متاحة بشكل غير مسبوق، وأصبح المواطن العادي أمام بحر من الأخبار والمعلومات، لكن دون امتلاك الأدوات الكافية لتمييز الصحيح من الباطل، نظرا لضعف الثقافة النقدية، ولذا «يكثر اللغو» ويتم استدعاء العواطف والمخاوف، ما يؤدي إلى تحويل النقاش العام إلى ساحة للشعارات المبسّطة والمعلومات غير الموثوقة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات