منحتنا اللغة في طورها المعرفي مساحة واسعة لنحت مفرداتها من داخل معانيها، وتطويرها بالاشتقاق اللفظي والاعتماد على ابتكارها كركيزة تعبير دلالي.. ومنها استوحيت تعريف «الغاشمية» من كلمة «غَشَمْ» بمعناها اللغوي والدلالي والذي يضم أيضاً إلى عائلته التعيسة، الفاعل «الغاشم» الظالم، والغشيم الأهوج في سلوكه وممارساته الحياتية، إن كان حاكماً أو محكوماً، غاشماً أو مغشوماً في أمّةٍ غشومة!
بعد مرور عقدٍ ونصف العقد من حُكم ثورات «الربيع» المرير، والتغيُّرات الناسفة الجذرية التي طرأت على واقع العالم العربي «الجديد» صنيع الفوضى الخلّاقة، وما ساورها من تأويلات المؤامرة على خارطة «الوطن العربي» بالدلائل المشيرة، كما جاء في مذكرات «هيلاري كلينتون» وخطط اليهودي «برنارد لويس» المنشورة منذ ما قبل خطّة الإطاحة بالرئيس العراقي «صدام حسين» بحجّة النووي المزعوم.. فكانت تعرية تلك «المزاعم» والاعتقاد بنظرية المؤامرة في تأويلها، من الدعائم الرئيسة للقبول بقوّة الأمر الواقع الذي أقرّته الإدارة الأميركية واختارت به الحرب لقلب النظام في العراق، وهي ذات القوة والقرار والاختيار لقلب نظام الحُكم في ليبيا واليمن وسورية والسودان، وبفتيل الغضب الشعبي وتسخير شبابه العاطل الذي أسهم في سقوط تلك الأنظمة العتيدة، وحين أدرك المساوئ، لم يستطع إنقاذ نفسه ورفض القبول بسلوك هذه الأنظمة «الغشيمة» الجائرة، التي سيطرت على الوضع بقوّة السلاح لا بالعقل، وحكمت البلاد بعقلية غاشمة وغشيمة!
في ليبيا التي انقلبت على نفسها عديد المرّات بعد «فبراير» 2011، سيطر «الغاشميّون» فيها على السلاح للهيمنة على مقدّرات الدولة، ليذهب المواطن «الحالم» بعيداً عن الحياة الكريمة، ولينهب «الحاكم» المال بكل الوسائل الممكنة، حتى باتت يد اللص السياسي مثل يد رجل الدين، تسبيح لله في الصلوات، وفرك للنقود في السرقات، وبذات القدرة الممنهجة على نهب المال العام، نُهبت «الديمقراطية» من تحت وسادة الشعب الحالم الذي غادر المنام ذليلاً لينام على الحجر في المقابر!
المفارقة الجميلة في دلالة اللغة أنه لا يوجد في التأويل النصّي «غشيم نبيل» مثل ما كان في عهد لصوصية «الصعاليك» الذين يقطعون الطريق وينهبون مال الإقطاعيين لإغاثة الفقراء والمحتاجين، فكان «عروة بن الورد» نبيلاً في معتقده ومسلكه الثوري الموصوف بالحالة الثورية كما «تشي جيفارا» الذي قال يوماً «إن كُل من يحمل السلاح ولا يحمل فكرا، سيصبح يوماً قاطع طريق»!
بعد كل المعرفة بالثورات العالمية وأخلاق الثوّار الاشتراكيين، حكم اللصوص «الغاشميّون» ليبيا التعيسة، فقطعوا الطريق والرقاب معاً كما الدواعش، ليعيشوا حياتهم غاشمين بلا رادع أخلاقي ولا ديني ولا قانوني، وهو المسلك «الغشائمي» الذي داس على الأخلاق وفتح نار الحقد والكراهية والضغينة في صدور إخوة الوطن والعائلة الواحدة، وبه تكوّنت ثقافة الارتزاق من خلال ممارسات «ميليشيات» السوء الحاقدة التي سادت في البلاد بلعلعة الرصاص وترويع الناس ضحايا ندوب الدولة «الغاشمية».
كُنّا زمان عرفنا «الغشيم» بأنه الإنسان الأهوج الأحمق الذي لا يفهم، فيتصرف كما اتفق دون تقدير لعواقب الأمور، ولتبرئته غير العادلة من فعلته يصفونه بالغشيم، حتى إذا ما ارتكب المزيد من الحماقات شفعوا له التهوّر والجنوح لكونه الغشيم الذي لا يُلام.. وكان ذلك تعليلاً مناسباً للحالة الغاشمية التي تحكم ليبيا اليوم، وأبقت على رموزها الفاسدة كل هذا الزمن الفظيع من الاعتداءات والانتهاكات ضد الوطن والإنسان!
بعد عقدٍ ونصف العقد من الزمن تشكّلت البيئة الإجرامية المناسبة لهؤلاء الغاشمين المجرمين، وأصبحت الحياة بلا أخلاق في هذه الأتون الضاغطة على العقل والدين، مّا أفسد منظومة الأخلاق، وأسهم في تشكيل ثقافة عصرٍ مُظلم للإنسان المقهور بين مخالب الوحوش، وكأن هؤلاء في الخيال المرادف يحكمون بسلالة زمن الانحطاط، بسيوف التتار والمغول.. وأنهم في هذه البلاد الشائكة، وبهذه الصفات الإجرامية، قد أعادونا إلى العصر المنعوت بـ«العرب الأجلاف» حادّي الطباع، لا رحمة لهُم ولا شفقة بين الأقران، ليصفهم التاريخ في المستقبل بالغاشمين الذين عاشوا على دماء شعوبهم، يخطفون ويقتلون وينهبون، فكان «الغشم» في عهدهم، مسلك معيشة وأسلوب حياة، وكأنهم يقيمون «الأيديولوجية» الخاتمة العمياء للحياة تحت مُسمّى «الغاشمية» التي نالت من التاريخ الإنساني ومن الحضارة مّا يجعلها النظرية العبثية الماكرة التي تعيش على ذلّ القطيع!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات