في هذا العالم الجديد، وهو ينهي الربع الأول من ألفيته الثالثة، نرى الحروب الشرسة تشتعل في كل مكان، رغم تبجح قادة هذا العالم بما أرسوه من نظام جديد، عقيدته الحفاظ على السِلم العالمي عبر الدبلوماسية والقوى الناعمة ومؤسساته الدولية، ورغم تغنيه بما أنجزه في مجال الأخلاق والحقوق وتجاوز الوحشية التي صبغت قرنه الماضي، فإن الحروب الوحشية لم تتوقف، في روسيا وأوكرانيا، في غزة والسودان واليمن، وحروب تتأهب بين الهند والباكستان، وبين المغرب والجزائر، وربما بين الحلف الأمريكي الصهيوني وإيران، وغيرها من بقاع الأرض المتوترة، وحرب إقليمية يشعلها الكيان الصهيوني في الأرض المحتلة وفي سورية ولبنان وقد تنتقل إلى العراق ومصر، ولا أحد يمكنه إيقاف هذه الحروب لأنه يبدو أن من يستطيعون إيقافها هم المستفيدون منها، بل هم مهندسوها في الأساس، وأن هذا القرن سيشهد من حروب الإبادة ما لم تشهده القرون السابقة، بسبب قوة فتك الأسلحة الجديدة، وبسبب ما يبشر به الذكاء الاصطناعي من حروب نوعية، سيكون فيها لحم العالم الضعيف الأعزل في مواجهة معدن العالم القوي كما يحدث الآن في فلسطين.
منذ أن انتهت الحرب العالمية الثانية، بدأت القوة المنتصرة في الإعداد لما سمته النظام الجديد، وفي ظل ما سموه الحرب الباردة كان سباق التسلح على أشده، وحين تتصدر تجارة السلاح التجارات فوق الأرض فسيكون الاستثمار في الحروب أفضل الاستثمارات، ومع سباق التسلح واحتكار الاستراتيجي منه لدى الدول الاستعمارية السابقة، كانت هذه الدول تُصدر إلى العالم الثالث أسلحتها القديمة (ستوك) التي تجاوزها الزمن، وهي أسلحة لا تصلح إلا للحروب الأهلية أو حروب هذه الدول فيما بين بعضها البعض، وكانوا حريصين على أن هذه الخردة المصدرة إلى الدول العربية لن تهدد أمن ربيبتهم (إسرائيل) بأي شكل من الأشكال، لذلك كل حرب خيضت مع الكيان الصهيوني كان الفلسطينيون والعرب يخسرون فيها مزيدًا من الأراضي، والنتيجة في النهاية أن السلاح الذي كدسه نظام صدام حارب به الجارة إيران الإسلامية ثم الكويت العربية، ثم مكونات شعبه المختلفة، وبعد أن انتهى نظامه أصبح ذخيرة للحروب الأهلية، والسلاح الذي كدسه القذافي حارب به الجارة تشاد، وكاد يخوض به حربا مع مصر، وبه دعم العديد من الحروب الأهلية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها، وما تبقى منه بعد نهاية نظامه خاض به الليبيون حروبهم الأهلية، والسلاح الذي كدسه نظام الأسد غزا به الجارة لبنان، ثم حارب به في النهاية شعبه، وما تبقى منه سيكون ذخيرة لحروب أهلية في سورية لن نعرف مداها، ومن كل هذا السلاح لم تُطلق طلقة واحدة على إسرائيل، على الأقل منذ حرب الـ73.
أصبحت للحروب ذريعة دارجة تتعلق بحماية الأقليات في تلك الدول، والكيان الصهيوني يضرب حيثما شاء في سورية بحجة حماية الدروز الذين لا تربطهم بهم عقيدة ولا عرق. ومن المفارق أيضا أن هيئة تحرير الشام (تنظيم القاعدة سابقًا ولاحقًا) ، لم ترد على الكيان الصهيوني إلا بالإدانات وهو يجتاح جنوب سورية ويصل قريبا من ريف دمشق ويضرب في كل مكان، بل إن ما سُمي الجيش السوري التابع للنظام الحالي كان يخوض اشتباكات مع الجيش اللبناني، وفصائله تنكل بأقليات سورية في الوقت نفسه الذي تجتاح فيه إسرائيل أرض سورية، أما الأقليات الخائفة من التوجهات السنية المتشددة التي سبق وأن عانت منها أقليات في العراق، وفي مصر إبان حكم الإخوان، فهي الآن بدأت تطالب بحماية دولية بعد ما شهده الساحل السوري ومناطق الدروز من تهديدات طائفية.
يصرح وزير دفاع الكيان الصهيوني بأنهم لن يقبلوا بنظام في دمشق يتألف من مجموعات جهادية سابقة، وهي ذريعة تجعل من الدول الكبرى التي كانت تضع هيئة تحرير الشام في قوائم الإرهاب، مترددة حتى في إدانة هذا العدوان. وفي الحصيلة أن ما تتعرض له منطقتنا من هزائم متلاحقة ومن فوضى وخراب سببه ميليشيات الإسلام السياسي التي نظمت صفوفها منذ نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية، وانتعشت مع الفراغ الذي أُتيح لها بعد سقوط نظم عربية سابقة إبان الربيع العربي، في العراق وسورية واليمن والسودان وليبيا، والحبل على الجرار طالما هذه المجموعات مستعدة لدفع أي ثمن من أجل أن تصل إلى السلطة أو تبقى فيها، أما ما كان هدفا للربيع العربي من ديمقراطية وحريات وغيرها من الشعارات، فهي لا تعنيها، بل لا تلائمها من الأساس. فالجميع بدأ يعرف أن هذه الجماعات المتاجرة بالدين وبوجدان أتباعها كانت صنيعة مخابرات أجنبية، وبعضها كان مدعوما علنًا من سلطات دول أوروبية ومن الإدارات الأمريكية المتعاقبة. وهي الآن الأداة المثلى لما سماه الساسة الأمريكان، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط)، وهو تعبير رومانسي مقتبس من الفن، من شأنه في السياسة أن يرش البهارات الشعرية فوق الركام والمقابر الجماعية ونزيف الدماء، ولا تعدو كونها فوضى، أو فوضى خنّاقة المراد منها أن تشد إسرائيل الخناق على المنطقة، وأن تكون (فتوة الحارة الوحيدة) بعد تقويض معظم الجيوش المحيطة أو القريبة منها، وتحويلها إلى ميليشيات متصارعة يمكن إدارتها بشكل يخدم مصالح هذه القوى المحتاجة دائما إلى بؤر للتوتر، مع احتراز مفاده، أن هذه الجيوش كما ذكرنا لم تقاتل إلا جيرانها وشعوبها، لكنها تظل في النهاية جيوشًا مقلقة بالنسبة للكيان الصهيوني الذي يخطط على مدىً بعيد وتحسبًا لكل طارئ.
ما نراه الآن هو النتائج الأولى لسيناريو الفوضى في الشرق الأوسط الذي بدأ العمل عليه منذ حادثة الحادي عشر من سبتمبر، ومن ضمن هذا المخطط للمنطقة كان العمل على تمكين جماعات الإخوان المسلمين، أو ما سموه الإسلام المعتدل من السلطة، حيث كان في البداية عبر إلحاقهم بنظم التوريث المتوقعة في بعض جمهوريات ما سمي «دول الممانعة»، ومع الربيع العربي لا أحد ينكر دعم القوى الدولية لهذا التنظيم كي يصبح البديل للنظم الديكتاتورية السابقة، والآن هذا السيناريو يجري في سورية على قدم وساق، وسياسة التمكين المقلقة للطوائف الأخرى هي السارية، ودائما عبر تحالف حذر بين تكنوقراط جماعات الإخوان وأذرع الإسلام السياسي المسلحة التي لا تحظى بمؤهلات غالبًا، ونحن عايشنا ونعرف ما فعله الإخوان المسلمون في مصر حين وصلوا إلى السلطة، وفي تونس، والمغرب، والسودان، واليمن، وليبيا، ولأن سورية محسوبة على بلدان الربيع العربي (المسروق) فسأقارنها بهذه الدول.
أتابع الآن في عديد الفضائيات مروجين للنظام السوري الجديد، وحتى بعض مثقفين وفنانين متفائلين أكثر من اللازم، يعيدون ما قيل من تحليلات وكلام قيل نفسه بدايةَ نهاية الأنظمة في مصر وتونس وليبيا واليمن، وفي النهاية ما عايشناه، سيل من الدماء واغتيالات وتحشيد جماعات إرهابية في سيناء، وقتلى وتفجير كنائس لم نشهد مثله في الأنظمة السابقة في مصر، وكادت توصل مصر إلى الهاوية (لولا)، وفي تونس حيث نسختهم (الأفضل) كما يقال، شاهدنا في ظلهم اغتيال المعارضين الوطنيين، وتفجيرات في المناطق السياحية، وتصدير جهاديين إلى البؤر المتوترة، وكادوا يضعون تونس على حافة حرب أهلية (لولا). بينما في ليبيا، شاهدنا الاغتيالات بالمئات التي طالت مثقفين وإعلاميين وأساتذة جامعات، ونشطاء مدنيين وعسكريين وقضاة ومحامين، وشاهدنا مدى تأجيجهم وفتاواهم التي أشعلت الحروب الأهلية في ليبيا، وما زالت ليبيا ـ للأسف ـ من دون (لولا)، وفي كل هذا لديهم وجهة نظرهم وأسلوبهم وإصرارهم الذي لم يتوقف منذ عقود، وبعض المحللين يعتبرهم تيارًا سياسيًا من المفترض أن تستوعبه العملية الديمقراطية، غير أنه من الصعب أن تستوعب الديمقراطية عبوة تفجير في داخلها، أو ما يناقضها كعقيدة سياسية، وإذا ما عدنا قرونًا إلى الخلف سيخبرنا التاريخ أن تسييس الدين منذ الفتنة الكبرى لم يؤدِ سوى إلى كوارث ودماء، ودخول الإسلام السياسي بكل تدرجاته على مسار الربيع العربي، مثلما دخل نظام الملالي على الثورة الإيرانية، هو ما أدى إلى كوارث وجعل من الربيع خريفًا، بل أسهم في تأجيج هذه الفوضى (الخناقة)، لأنهم في كل هذه التجارب جاءوا محمولين على تصفية حسابات وسياسة تمكين إقصائية، ولم يكن همهم إصلاح أو نهضة أو ديمقراطية، بل كل هذا لا يتلاءم مع طبيعة تنظيمهم السري التراتبي بما يشبه نظام ولاية الفقيه، ولا يناسب عقيدتهم المضادة في جوهرها لفكرة الوطن أو الدولة القطرية، ولأن التاريخ، أيضًا، يخبرنا أن تسييس الدين أو القوميات المتطرفة مآله دائمًا أن يفضي إلى فاشية.
أما زعيمة هذا التنظيم وحاضنته، السلطة التركية الحالية التي شكلت نموذج الإخوان (الملهم) في نظرهم، والتي تحل الآن في سورية محل إيران، فهي كما إيران لن تفعل شيئا في مواجهة الضربات التي توجهها إسرائيل على طول أرض سورية وعرضها، خصوصًا أن تركيا، بعكس إيران، تربطها علاقات أمنية وتجارية وثيقة مع إسرائيل، ودولة عضو في حلف الناتو الداعم بقوة للكيان الصهيوني. وكل عنتريات إردوغان الكلامية لا تغير من الوضع شيئًا، والغاية منها أن تجلب له ولحزبه مزيدًا من الناخبين المأخوذين بالشعارات الصدّاحة في عصر الديمقراطيات الشعبوية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات