Atwasat

أطياف العام 1965 (2)

سالم الكبتي الأربعاء 16 أبريل 2025, 12:36 مساء
سالم الكبتي

ما ضاقت بلاد بأهلها

والأطياف مثل زبد البحر تطرح ما لديها وتتكسر عند صخور الشواطئ. بات العام الجديد يتشكل ويتلون في لوحات بإطارات مختلفات. يتشكل بأيامه ولياليه. تروح وتجئ. تحفل بالأحداث وتكتظ بالمتواليات وتكاد تنفجر.

ركام تلك الأحداث يتداعى ثم ينهار في لحظات التاريخ. تراه عين الباحث الفاحص المدقق. تكشفه رؤية الناظر إلى تفاعلاتها ومشاهدها. اللحظات تتفاعل أيضا وتصير من بعد تاريخاً يروى ويكتب ويحفظ.
..ثم في روما في مارس حيث الربيع يقبل على المتوسط. آخر ملوك مصر فاروق بن فؤاد يرحل. كان قد قلبه العسكريون في يوليو 1952. تحركوا من ثكنات القبة وغيرها وقلبوه. وأعلنوا بيانهم الأول من شارع الشريفين. يقال إن من كتبه أو وضع بعض نقاطه إحسان عبد القدوس. غيروا نظاماً ملكياً قديماً في المحروسة وضع أسسه محمد علي الكبير. شكلوا مجلساً لقيادة البلد في اللحظات الحرجة القادمة. في الربيع مات فاروق وتردد بأن وراء ذلك لعبة مخابرات ظلت أسيرة الملفات الشائكة والغامضة. مات ذات عشاء متخم في أحد المطاعم وبعد محاولات عديدة نال موافقة مواراة التراب في مصر بجوار أجداده.

فاروق كان أميراً للصعيد ثم صار ملكاً على الكنانة والسودان وفي صيف لاهب قبل ستة عشر عاماً نشأت أزمة مع (برقة) كانت إمارة أعلنت استقلالها في أول يونيو 1949. ظلت العلاقة بين الملك فاروق والأمير إدريس محدودة إلى أبعد الحدود. لم يكن ثمة تقارب أو خيوط دافئة وواضحة بينهما. كان الأمير السنوسي مهاجراً ولاجئاً في مصر. وصل إليها مطلع العام 1923 وكان فاروق يومها طفلاً يحبو. ومع ذلك رغم برودة التواصل أمر فاروق بتخصيص عشرة فدادين من الأراضي المملوكة للدولة غرب القاهرة وبتنسيق مع القيادة البريطانية لتكون مكاناً لتمركز وتدريب الجيش السنوسي الذي تشكل أيام صيف 1940.

بريطانيا في مصر أحياناً ليست على وفاق مع فاروق والأمير إدريس ظل حليفاً لها ولم يكن تابعاً أو عميلاً. نظر لمصلحة وطنه من خلال هذا التحالف الذي فرضه الواقع واقتضته الظروف السائدة في العالم عبر اندلاع الحرب العالمية الثانية.
سيفترق الأمير والملك هنا. مواجهة صامتة لكنها حادة تحت تراب الرماد. تختفي وتظهر. تلوح وتبتعد مثل أطياف اللحظات والأعوام. يلجأ ثلاثة من شبان الإخوان المسلمين في القاهرة الى الأمير في بنغازي دون سابق معرفة أو علاقة. استجاروا به فحماهم وجعل لهم مكاناً في قصر المنار وسط المدينة وتحت الحراسة وقام رجاله بواجب الضيافة. يغضب فاروق في عابدين وتنشأ أزمة مع حرارة الشمس والأطياف.. تظهر هي أيضاً وتختفي ثم تذوب كحبات الثلج تحت الصهد في صيف يوليو الساخن بعد ثلاث سنوات 1952. أطياف التاريخ تتواصل وتتمدد وتترك الشموس والصباحات والأماسي والعشايا والليالي والوقائع ثم الأيام تكشف عنها مع الوقت.. مع التاريخ. رفض الأمير تسليمهم للملك.

أصياف وأطياف وبعد تنظيم الأحرار من الضباط في مصر تسري عروق تنظيمات أخرى في جيوش العرب. تتأثر وتتخذ ذلك منهجاً. تقلب وتغير وتصل للسلطة عبر موجات الإذاعة وصوت الدبابات. كان ذلك حلاً لمشاكل المنطقة وأزماتها. وكل التنظيمات تصل في الأصياف اللاهبة الساخنة على وجه العموم. كل عام.. كل صيف ينقل في جوفه أحداثاً أكثر حرارة وتغيرات قوية الى أبعد حد. ذلك هو الحل عبر أطياف الزمن والتاريخ في المنطقة ذات الرمال المتحركة التي تغوص فيها كل الأقدام الغافلة.
الأطياف والهوامش والآفاق تتراءى على البعد عبر تلالها الأحداث ولا تتوقف. يظل اليمن مصدر قلق وتموجات وأحداث فوق الجبال الصلدة عسيرة المنال. تذهب القاهرة إلى هناك بالرجال والمعدات. لم يكن اليمن سعيداً وصاحب بهجة. مواجهات هناك واليمن الجنوبي الآخر في عدن يموج هو الآخر بالمظاهرات ورفض السلاطين والمشيخات والإنجليز. صراعات القوى الوطنية. الثورة تتحرك فوق عدن وجبالها أيضاً وتسري في كريتر. تبهر شباب العرب مثلما أبهرتهم ثورة الجزائر من قبل. القوميون والماركسيون والحالمون والمنظرون وتشكيلات الخطوط في كل المواقع تغمرها الأطياف. اليمن يظل غير سعيد رغم القات وجلسات المقيل. لا يتوقف صراعه وهديره منذ الأزل. زلازل وأطياف تلوح بلا نهايات. سراب وراءه سراب.

في الرابع عشر من مايو مع اهتزاز المنطقة ومرأى أطيافها المتعددة يواصل محمد حسنين هيكل في صراحته الأسبوعية بالأهرام مغامرته في بحر السياسة الواسع. يتابعه الآلاف على امتداد المنطقة. يذاع ما يقوله في المحطات. يكشف عن مجموعة من الوثائق السرية البريطانية. في مارس الذي مضى الجاويش بيرسي سيدني في الجيش البريطاني والمسؤول في إدارة المحفوظات بوزارة الدفاع يسلم وثائق سرية عن خطط بريطانيا العسكرية الى مكتب الملحقين العسكريين العراقي والمصري في لندن. تصل تلك المجموعات إلى القاهرة ولكن ليس بواسطتهما. شغل جواسيس كان يلف المنطقة. الوثائق كشفت عنها الصراحة وهي تتعلق بالمصالح البريطانية في المنطقة من المحيط إلى الخليج وتتعلق بخطط عسكرية للتدخل في ليبيا وفي الكويت وفي لبنان وفي السودان. نشر هيكل هذه الوثائق السرية كاملة وخاصة المتعلقة بليبيا.

وكان يرى أن المقصود في هذه الحرب الخفية هي الجمهورية العربية المتحدة وحركة القومية العربية المتفاعلة معها. صفحات الأهرام تغمرها الوثائق وكلمات الصراحة. كشف لما يدور تحت الطاولات. تصادر الأعداد في ليبيا وغيرها. المستور انكشف ولاح رغم الأطياف المستترة المخفية. لعبة هيكل هي الكلمات يرسمها ويزينها ويفصلها ويقدمها بكل ما فيها ويفعمها بوجهات نظره الملتبسة أغلب الوقت. كانت معارك الوثائق تشتعل ثم تخمد ثم تلتهب.

وفجأة.. في ذلك اليوم الذي تزامن مع بدء نشر الوثائق كاملة تبدأ في ليبيا سلسلة من التفجيرات في خمسة آبار للبترول في منطقة الامتياز رقم 65 التابعة لشركة بي بي ونيلسون بن كرهنت. دامت شهراً كاملاً حتى جرى إطفاؤها. ثم في 22 يوليو انفجارات أخرى في خزانات لشحن البترول في ميناء البريقة يتبع شركة إسو. قنابل موقوتة استخدمت في هذا التفجير وفي الرابع من نوفمبر انفجار يلحق خط أنابيب البترول الخام في حقل السماح. الدولة ألقت القبض على عناصر مصرية شاركت بطريقة أو بأخرى في ذلك العمل. صوت العرب ردد بأن التفجيرات في مناطق البترول من عمل عناصر ثورية ليبية.

الوثائق تشتعل والانفجارات تلتهب والمنطقة تظل بين ليبيا ومصر فوق صفيح ساخن. وأطياف الزمن تمر. في يونيو بن بلة يحاصره بومدين والزبيري وبوتفليقة وهوفمان وينقل إلى جوف الصحراء. لم يعد رئيساً. تأخذ الجزائر منحى آخر في أطياف التاريخ بعيداً عن القاهرة. في أغسطس يرحل مصطفى النحاس باشا. جنازة باهتة لا تليق به. بينه وبين رحيل فاروق خمسة من الأشهر. كان على تقاطع معه. الوفد والقصر والإنجليز. لكنه وصل بمساعدتهم إلى الرئاسة ثانية في فبراير 1942. فرض حضوره من قبل الإنجليز على الملك في رحاب عابدين.. وسط هدير الدبابات. وقع المحظور. لكن صورة الباشا بعد يوليو ظلت باهتة. لم يتحدث عنها صاحب الصراحة في أسبوعياته أيام أطياف ذلك العام.

في أغسطس أيضاً أطياف العام تتواصل. عبدالناصر في موسكو. المنطقة كلها تستيقظ على وقع خطوات عنيفة. تنظيم كبير وقديم ومؤثر يضرب عدة مرات في كل العصور لكنه ينهض بشراسة أشد من غيرها. صوته كان قبل ذلك يغني في رياض المدارس.. تشقشق الطيور!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»