(والبيت أبيض في جلال سياسة
ووقار مجد
منه الدهاقنة الكبار
وخريطة الدنيا مصير تحت قبضة مستبد)
عبد الباسط الصوفي
تتبدل أرقامهم مثل أرقام الأحذية. غرفة القياس تسعهم كل أربع سنوات. الرقم الخامس والأربعون. هذا حذاء استهلك. وهذا الرقم السابع والأربعون سيستهلك في الطرقات. إنه مثلهم. ماركة مسجلة. لا يختلف عمن سبقه. هو لاحق لسابق. لا فرق بينهم. الأحذية تضيق وتتسع مع المشي. كلهم في الرئاسة في ذلك البيت ملة واحدة. الرقم يقبل من بعيد. يتمم بقية الأرقام. يعبر السهوب مثل راعي البقر الكاوبوي. يصطدم بالشريف الذي يفض العراك في الحانات الخشبية. في الزاوية عازف الجيتار الحزين. يقبل الرقم بحصانه.. مهمازه.. قبعته.. خيط الحبل الذي معه.. حذاؤه طويل العنق.
إنه ليس جديدا. إنه مثلهم. يجئ يطوي التلال. حصانه يصهل. مسدسه في جنبه وبندقية أخرى بعض الأحيان على كتفه. يقرع طبول الحرب ويدق أغانيها. لا فرق مع من سبقه من الأرقام. كلهم مصابون بالحنين الى العراك في الحانة وخارجها. كلهم يتحرشون بالعالم ويريدون إيصاله إلى السعير.
أقبل الرقم بعد التنصيب في الكابيتول. التنصيب من النصب أحيانا والاحتيال. واشنطن الخائفة منذ 2001. تغيرت أمورها وتعقدت بعد أبراج نيويورك. لقد رأت النجوم في الظهيرة. أمريكا تخاف حقا. وتصاب بالهلع وتبول على نفسها وتجعل شجاعتها في نفوس الضعفاء الذين لا سند لهم في الأيام والليالي.
منذ ذلك العام أصبح الأمن والتوجس خاطرا يؤرق الولايات الواسعة الممتدة على طول أمريكا الشمالية. ربطت الأحزمة وخافت. أمريكا تعرف الخوف أحيانا. كل الطرق إلى البيت الأبيض ومكتبة الكونغرس والكابيتول والمقبرة الوطنية.. غير آمنة. كل شيء يغص ويمتلئ بالمباحث الفيدرالية. تترصد وتترقب وتتعقب. هكذا هي واشنطن وشقيقاتها في الولايات الممتدة عبر ناطحات السحاب والمصانع والمداخن والحقول والحانات وكل المدن. تخاف في الداخل وتنشر الرعب في الخارج وعند اختيار رقمها الجديد تفزع العالم الذي يربط الأحزمة ويخاف.
لكن لا جديد. الرقم هو الرقم. الذي استلم من ترامب يسلم البارحة لترامب أمام العالم الذي يلتقط أنفاسه. أمريكا تنصب رئيسها وهو ليس جديدا على أية حال. نفس الرقم. نفس الدور. نفس السياسة. نفس المنهج. نفس الطريق. إنه امتداد للقدامى. سلسلة واحدة لا فرق. هذا الذي جاء يطوي التلال ويهدر بتصريحاته القديمة والجديدة بات كالعادة يهدد المهاجرين وكندا والمكسيك وبنما. قال بأن خليج المكسيك هو خليج أمريكا ثم يمد يده إلى البعيد.. إلى الشرق. قبل تغيير الحذاء هدد بأن المنطقة ستدخل في جحيم إذا لم (ترعوِ) ويتناسى أنها في جحيم منذ حقب مضت بسبب سياسة بلاده وأرقامها. حققت أمريكا كل التقدم في الاكتشافات والتطور والوصول إلى الفضاء وكل شيء مذهل لكنها سقطت من ميزان العدالة وتخلفت في قضايا الحرية والسلام في كل المستويات. وتخاف المنطقة. ويعامل شعوبها مثل صغار الأرانب. ويجلس جوار المدفأة في البيت الأبيض. يأكل الديك الرومي. ويتجاهل الأطفال في غزة وما حولها وفي كل المناطق البائسة من العالم. فعن أي جحيم آخر يتحدث سيادة الرقم؟ هل ثمة جحيم ثان يا ترامب؟
إنه من المكتب البيضاوي يشاهد المظالم والحماقات. ويهدد ويثور. ولا أحد يلجمه أو يدعوه إلى السكوت. الثرثرة تعدت حدودها. وهو يقبل ثانية. إنه حلقة في سلسلة من المظالم والقهر. شيء مثير ومقزز أيضا تصنعه في الجحيم المصالح والأطماع والمخابرات والشركات الكبرى والمافيات والمجرمون والقتلة ثم يبلع الآخرون الطعم ويقولون إنها ديمقراطية. الكواليس تفعل فعلها في الخفاء وتنطلي اللعبة على صغار الأرانب في العالم.
لقد وجد الرقم الأمور أمامه مستوية في غزة ورفح ودير البلح. وفي سوريا. ولبنان هدأت تفاصيلها. وهو يقترح أماكن مؤقتة لأهل غزة. هذا هو الجحيم الكامل بعينه. هذا الذي أتى ليس جديدا. أربع سنوات قادمات سيتعب العالم خلالها من خطابه الأخرق وأفعاله التي ستوقع الدنيا عند حافة مخيفة. سيبدأ في المناكفات. لن يأتي بجديد. سيستمر. هو استمرار لسياسة تدار في الأقبية والظلام. سيكون مثل بعض من سبقه.. جونسون الذي حرقته فيتنام وحاكمته محاكمات الإنسانيين عن أفعاله هناك.. راسل ودوبريه وكامو وقالوا كلمتهم أمام الضمير الإنساني بكل بسالة. ونيكسون الذي حرقته وترجيت. وبوش. وكلهم الذين وصلوا قبله إلى قاع السعير.
والرقم يلح على شخصية أمريكا. يريدها قوية أكثر مما هي فيه. يلح على الاقتصاد والطاقة وترحيل المهاجرين والهوية الجنسية. تعصب لأمريكا واضح لا يخفيه. شخصية أمريكية جديدة تود أن تأكل العالم في حلقها في لقمة واحدة. أمريكا تطل من المكتب البيضاوي لتغطي السماء بألوانها وشعاراتها لكنها تخفي الخوف في الداخل. الوجه البشع في الضواحي والأطراف.
ثم أشار إلى أنه سيفتح الملفات السرية المتصلة بمقتل سلفه القديم جون كيندي في شتاء 1963 ومارثن لوثر كينج الذي كان لديه حلم في ربيع 1968. هنا سيدخل إلى مكامن الخطر. هنا ستناله مزالق الطريق. دهاليز صعبة. سيناله غرور. وسيتحطم. لن يسمح له بالمرور فقد سقطت رخصته. قد يلاقي جراء ذلك حتفه. سيصطادونه مثل كيندي ومثل لوثر كينج ومثل روبرت كيندي ومثل مارلين مونرو. الاغتيال أقرب إليه جدا. بعد هذه العواصف. سيريح ويستريح.. المستر دونالد ترامب.. الرقم السابع والأربعون.
وأنتم يا أطفالنا. ويا صغار الأرانب. أنتم يا من تعيشون على الحزن والرماد دون نار أو مدفأة. أنتم يا من هناك خلف الجدران لستم في وارد الرقم الذي أطل ولا في الأرقام الأخرى. إن المعجزات في يد الله ولي الصابرين.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات