(يجهل السلطان
أن الكلمات الخضر لم تولد
ولذا يحفر قبره
حينما يحفر قبر الكلمة)
محمد الشلطامي
كانت خطواتي في (الحقيقة) سبقتها إرهاصات أخرى وبدايات متواضعة لي منذ عام 1966 في مجلة جيل ورسالة وصحف الشعلة والبشائر والأمة التي تصدر في بنغازي. وقد اعتبرت مع مضي الأيام والتجربة والتعلم أن (الحقيقة) مدت جسرا طويلا ومتينا تواصل بين أجيال وليس (جيلا فقط) وبين مدارس في الصحافة الليبية (وليست مدرسة فقط أيضا). لم تقطع الحقيقة هذا التواصل ولم تشعر حياله بأحاسيس التجاهل أو النكران. فحين صدر العدد اليومي الأول للحقيقة في مارس 1966 كان استمرارا وتواصلا مع تاريخ قديم وهو بداية الانطلاق لصحافتنا رغم ظروف الاستبداد وخنق الحريات.. كانت صحيفة (طرابلس الغرب) صدرت قبل ذلك بمائة عام في 20 سبتمبر 1866 وسبقت في الصدور حتى جريدة الأهرام بمصر. جذور امتدت بلا انقطاع وفي هذه المائة صدرت وأطلت أخريات.. على سبيل المثال أبي قشه والرقيب العتيد والعدل والحقيقة (الأولى في بنغازي عام 1919) في بنغازي والوطن (عام 1921) وبريد برقة.. وصولا إلى مخاض الأربعينيات وقرب إعلان الاستقلال واستمرت بعده. فترة شكل فيها حبر المطابع وهدير الآلات والمواجهة.. حبرا للشعب وصوتا له.. كانت هناك.. الوطن (جمعية عمر المختار) وشعلة الحرية (المؤتمر الوطني في طرابلس) والتاج والدفاع والمنار والجبل الأخضر والليبي والمساء وفزان والعمل والزمان والبشائر والميدان والبلاغ والشعب والأيام والرقيب والرائد وغيرها.. أجيال الرواد مع أجيال الصحافة الجديدة التي نهضت وظلت مزيجا واحدا عنوانه الصحافة في الوطن الليبي. تجربة ورسالة ومعاناة مع اختلاف الرؤى والتوجهات.. لكن الهدف كان واحدا هو (ليبيا). السعي من أجله وخدمته.
كانت الحقيقة صحيفة وطنية في وعاء هذه الصحافة الوطنية وإطارها.. امتدادا للمكي الهاشمي وعبد الوهاب عبد الصمد وعمر المحيشي ومصطفى بن عامر وعلي مصطفى المصراتي.. لكنها أيضا تفردت بأسلوبها وشكلها الجديد وبتجربتها وظلت في الصدارة مع استمرار وسخونة تلك التجربة. الحقيقة ابنة البيئة الليبية والواقع الليبي لاغير مثلها مثل شقيقاتها الليبيات سابقا ولاحقا تلك الأيام.
لم أكن صحفيا ولم أحاول أن أكون كذلك. وهناك في بداياتي وجدت الاحتضان والتشجيع والتقدير رغم صغر سني وضعف خطواتي وأخطائي. وجدت أمامي كما وجد غيري عملاقا وأستاذا هو رشاد الهوني. الصحفي الرائد والمدير الذي يرعى الموهبة ويحترمها ويكتشفها على الدوام. تابع خطواتي واستدعاني إليه ذات يوم في مكتبه. وعندما قدمت إليه ووقفت مرتعشا عند الباب. نظر لي بسخرية لم تكن مقصودة لكنها مستفزة وظل ينظر إلي طويلا من فوق إلى تحت وأنا مازلت أنتظر ماذا سيحدث.
ثم فجأة قال لي من أنت؟ أجبته بأنك أستدعيتني وها قد جئت. أه.. أنت سالم الكبتي. متأكد. وظل ينظر إلي (شن تحساب روحك. كنت نعتقد بأنك طول وعرض وكبير في السن. صار أنت سالم الكبتي). هكذا قال. اللقاء الأول والصدمة الأولى. شعرت بأنه يختلف عن صورته التي تظهر مع مقاله الأسبوعي ويبدو فيها وديعا ودودا. ثم تبسم كثيرا وقال لي: اجلس. جلست في طرف المكتب. ذهب عني الارتعاش والخوف. وظل يبتسم. طلب لي قهوة. وأخذ في تشجيعي. أتابعك وأتابع زملاءك من جيلك. داوم في الكتابة وحاول أن تتخلص من تأثير بعض الكتاب وارسم طريقا لنفسك. ولاتتردد في طلب أي مساعدة. الحقيقة مدرسة للجميع. مكان للمواهب وخدمة ليبيا. وسنهتم بنتاجك ونتاج زملائك ونصدر لكم الكتب في المستقبل.. فقط لاتتوقف. استمر.
واستمرت العلاقة. كان أستاذا لم أنس تشجيعه. إلى رحيله. ومازال الحزن يطرق قلبي كلما مر بي ذكره. رشاد الهوني شيء آخر نادر في هذا الزمان. قيمته كبيرة لم يدركها الوطن ولم يعرفها إلا بعد رحيله.
رشاد لم يكن حجر عثرة في طريق أحد. كان إنسانا شهما ونبيلا. كان نادرا مثل ندرة الكبريت الأحمر كما يقال. رشاد والحقيقة وشقيقه الأكبر محمد حياة من الريادة والطموح كونت مؤسسة عملاقة مع المخلصين هي الحقيقة ثم ذي ليبيان تايمز ثم الكفاح في بيروت. وخطوات أخرى عديدة. كانت الصحافة في ليبيا صورة للرجال.. ولم تكن يوما عنوانا للصغار من أدعيائها. كانت الحقيقة. وربما تكرارها بنفس الوتيرة يظل صعب المنال.
وفي كل الأحوال غدت الحقيقة سيمفونية متناسقة الروح. لم تحمل نشازا أو إيقاعا غير منضبط. الصورة تنعكس على الشخصية. والشكل على المضمون. وكان المايسترو هو رشاد. وكانت هي ملتقى للأجيال التي تواصلت في الصحافة والثقافة والفكر والفن ولم تنقطع.
في ذلك المبنى.. في نهاية الشارع الطويل ظلت الحقيقة إضافة إلى المهنية والعمل الصحفي الجاد والمتابعة المستمرة للأحداث والمصداقية.. وما يستجد وتشجيع ومؤازرة المواهب واكتشافها.. ظلت منتدى فكريا وثقافيا راقيا بكل معنى الكلمة يلتقي فيه الصحاب والمثقفون.. الجلسات والحكايا والآراء والنقاش والاستفادة من كل الموضوعات الجديدة. وكان في كل لحظة في ذلك المبنى إبداع وعطاء مهني وصحفي شهدته ليبيا.. بل المنطقة العربية كلها تلك الأعوام..
أيام الحقيقة المنطلقة من بنغازي إلى كل الأرجاء. هناك كان يتحلق حول رشاد أصدقاؤه.. الحاج حذيفة الهوني ويوسف الهدار وعبد الحق الورفلي ومفتاح الفرجاني وحمد الكوافي وعبد الله لامين الهوني.. وغيرهم ومن المرج كان يأتي ابن عمه الشاعر والمعلم أنور الهوني. سهرات تطول ولقاءات تمتد إلى خارج الحقيقة في شقة رشاد المتواضعة القريبة من الدار أو غيرها من أماكن الأصدقاء.
وفي أماسي الربيع والصيف جلسات عامرة أيضا في الحديقة الصغيرة. وفي الجوار في الخلف تهدر في الصالة القريبة الآلات وأصوات الحماس للعمل اليومي. تعزف سيمفونية الحقيقة ألحانها. والجلسات تحت الأشجار وقرب نوافذ الدار ترى رشاد وشقيقه محمد. والصادق النيهوم عندما يأتي من هلسنكي ليزيد ذلك الحضور والوجود في الحقيقة رونقا لامثيل له من الطرائف والحكايات والنقاشات. والأستاذ محمد حمي. وخليفة الفاخري وتاج السركنه الشاعر السوداني الذي كان يقيم في بنغازي ونشر أغلب نتاجه الشعري في الحقيقة وتغنى بشعره أغلب الفنانين في السودان.. عرف الناس هوانا لم يعد سرا لدينا. وغيرها. تاج الرياضي الذي أشرف في تلك السنوات على تدريب فريق الصابري.... والكثير. وفي كل ذلك يبدو رشاد العازف والفنان والإنسان في جانبه الاجتماعي والمهني مترفعا عن الأحقاد والصغائر. البسمة المميزة والتعليقات الطريفة والمواقف الرائعة مع الجميع.
وفي الصالة.. صالة التحرير الكبيرة بمكاتبها وأوراقها والآلات التي تحمل الأخبار وحبات العرق التي تهرق والعمل المتواصل ليلا ونهارا يبدو أيضا الرجل الرائع حبيب الجميع وسط هؤلاء في تلك الصالة.. نسيج وحده. قاسم حماد المصحح والمدقق وسكرتير التحرير. الذي تضبط ساعتك عليه. يسير بهدوء. يتكلم بهدوء. يشتغل بهدوء. يراجع ويصوب بهدوء. ويتعامل مع الجميع في لحظة واحدة ويظلون موضع اهتمامه وتقديره. لم أره رغم التعب يوما غاضبا. كان يتعامل بشفافية مع الجميع... الكتاب والمحررين. والخطاط والمصور والفنيين الذين يأكل أصابعهم رصاص الحروف ويخترق عيونهم.. عبد الفتاح وفرج وسعد قطب وغيرهم. ومن في الأرشيف. يحتسي قهوته الفلسطينية التي يحضرها من بيته ويقدمها بكل ترحاب لمن معه والسيجارة تلو السيجارة لا تفارق فمه. مهنية العمل والتمكن من أسرار اللغة.
يصوب ويراجع ويقرأ باهتمام وينزل السلالم حيث هدير الآلات إلى ساعات الفجر.. ويظل يتابع حتى تنضج الحقيقة ويتم التوزيع وتغادر الكميات إلى الأكشاك والمكتبات والمطار وكل قنوات التوزيع. هناك يستريح استراحة المحارب الأصيل. يلتقط أنفاسه. يشرب فنجانه الأخير ذلك الصباح من الترمس ثم يغلقه ويشعل السيجارة ويمضي إلى البيت في البركة يستريح من عناء الليلة الماضية. ويعود أدراجه مساء ليباشر الرحلة نفسها مع الحروف والقهوة والسجائر ومواجهة كل المواقف. قاسم النبيل الصبور القادم من تلك الديار من فلسطين وحط رحاله في بنغازي معلما في معاهدها كان رجلا إحتضن قدراتي أيضا وشجعني بكل لهفة وحرارة وعايش خطواتي المرتعشة كذلك. لم يكن له أولاد. لكنه عاملني بكل حنان مثل ابنه وعامل كل المجايلين في الحقيقة بهذه الروح الإنسانية المتضوعة بالجمال والإشراق. لم يقصر في أي يوم في توجيهي وتصويب ما أكتبه. وأحيانا يلغي أو يستبعد مقالا لي. يطلب إعادته. يقول اللغة العربية ثرية بمفرداتها وهي كائن حي فلا تدعه يموت في ما تكتب. أنت اليوم يا ولد غير موفق تماما. راجع اكتب من جديد. استدع الفكرة ثانية وانطلق.. وسأرى منك كل ما يبهج.
وكان هناك صديق كبير وأخ عظيم لايقل عن هؤلاء جميعا روعة وصدقا.. هو خليفة الفاخري الذي علمني الكثير وفتح عيني على آفاق القراءة والثقافة وتصويب ما أكتبه عندما أعرضه عليه في جلساتنا الطويلة في بيته أو المقهى الرياضي أو نادي الهلال. كانت الأجواء كلها دنيا فاتنة تتحرك وتقابلك بالترحاب والمودة والحب. وكان هناك الكثير من الأصدقاء سيأتي ذكرهم تباعا.
أيام الحقيقة. زمان الحقيقة من اللحظات التي لا تنسى. قطعة من الحياة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات