السفير الأميركي لدى ليبيا لـ«بوابة الوسط»: هذا هو موقف الولايات المتحدة من الوضع في ليبيا

السفير الأميركي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند. (بوابة الوسط)

لخص سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند موقف بلاده من الأزمة الليبية في«إنهاء القتال فورًا، وانخراط الأطراف في عملية المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة»، مشيرًا إلى أن الحكومة الأميركية «على تواصل مع حكومة الوفاق ومع القوات المسلحة العربية الليبية وجميع الأطراف في مسعى للتمكّن من تحقيق ذلك».

وقال نورلاند في حوار أجرته معه «بوابة وجريدة الوسط»، إن أزمة جائحة فيروس «كورونا» زادت من الحاجة الملحة إلى هدنة إنسانية، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تحقيق تقدُّم على مستوى مسوَّدة وقف إطلاق النار الذي تم التفاوض بشأنه في اجتماعات لجنة «5+5».

ودعا «الأطراف الخارجية» التي قدَّمت تعهدات في مؤتمر برلين، إلى الوفاء بتلك التعهدات، معربًا في الوقت نفسه عن شعوره بـ«إحباط كبير»، لأنها لم تفِ إلى حد الآن بتعهداتها.

وحول خيار العقوبات ضد المعرقلين لجهود حل أزمة، أشار السفير الأميركي إلى أن الولايات المتحدة «فرضت عددًا من العقوبات من قبل، وتحتفظ بخيار فرض عقوبات إضافية على سبيل المثال مع هؤلاء الذين يعملون مع مجموعة (فاغنر)» الروسية، موضحًا أن العقوبات وسيلة فعالة ولكنها تستغرق وقتًا لتنفيذها، وأن على الأطراف المبادرة بتعليق الأعمال العسكرية ومجابهة جائحة فيروس «كورونا»، وعدم انتظار تطبيق العقوبات.

وشدد السفير على أهمية إحراز تقدم سريع على مستوى المراجعة والتدقيق الخارجي لحسابات مصرف ليبيا المركزي، منبهًا إلى أن «استمرار عرقلة عملية المراجعة يعني أن هناك مَن يريد إخفاء أمر ما».

وأعلن نورلاند الذي كان يتحدث من مقر إقامته في تونس، أن بلاده تدعم عملية «إيريني» التي أطلقها الاتحاد الأوروبي، وتتطلع إلى أن تنطلق العملية في أقرب وقت ممكن، قائلاً: «فهمُنا هو أن العملية لن يكون لها بُعد بحري فقط»، وسيكون بالإمكان رصد خروقات حظر الأسلحة عبر حدود ليبيا البرية أيضًا من خلال الأقمار الصناعية. 

وأكد سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى ليبيا، أن الستة ملايين دولار التي أعلنتها بلاده، كمساعدة صحية لمواجهة أزمة فيروس «كورونا»، هي جزء من جهود المساعدة الأميركية الشاملة المقدَّمة إلى ليبيا، التي بلغت منذ العام 2011، ما يناهز 715 مليون دولار. 

وإلى نص الحوار

«الوسط»: يلاحظ كثير من الليبيين نوعًا من الارتباك أو عدم الوضوح في الموقف الأميركي تجاه الأزمة المتفاقمة في ليبيا، ويبدو هذا الموقف، وكأنه يقترب من هذا الطرف أو ذاك، منذ مكالمة الرئيس ترامب الشهيرة مع المشير خليفة حفتر الأسبوع الأول من الحرب.. هل لكم أن تطلعوا الرأي العام الليبي على طبيعة موقف بلادكم مما يجري في ليبيا؟
- السلام عليكم، وأتمنى أنكم بحال جيدة أنتم وعائلاتكم خاصة أن أزمة فيروس «كورونا» قد بدأت في التفشي في المنطقة.
فيما يتعلق بموقف الولايات المتحدة الأميركية من الصراع، دعوني أكون واضًحا وصريحًا بهذا الخصوص. إن موقف الولايات المتحدة هو إنهاء القتال فورًا. نعتقد أنه يجب وقف كافة أشكال القتال. ويجب على الأطراف أن تنخرط فورًا في عملية المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة. 

وأولى هذه الخطوات هو أنه يجب وقف قصف طرابلس من طرف القوات المسلحة العربية الليبية فورًا، وهذا سيسمح للطرف الآخر بخفض التصعيد من جانبه. وموقف الولايات المتحدة هو أننا نريد تسوية تفاوضية ووقفًا للقتال حالاً.  نحن على تواصل مع حكومة الوفاق ومع القوات المسلحة العربية الليبية وجميع الأطراف في مسعى للتمكّن من تحقيق ذلك.

«الوسط»: في رسالتكم المفتوحة إلى «القيادة السياسية والعسكرية في ليبيا والشعب الليبي» نبهتم إلى خطورة تفشي فيروس «كورونا»، في البلاد، واقترحتم حزمة من الإجراءات لمواجهته، من بينها، وقف القتال، ودعوتم في هذا السياق إلى «أن يقوم المشير حفتر بتعليق حملته على طرابلس بما يسمح للجانبين بالعودة إلى مسوَّدة وقف إطلاق النار الذي تم وضعه من خلال مفاوضات «5+5» لكن هذا لم يتحقق.. ما الخطوات الواجبة التي ترونها لتحقيق ذلك؟
- نعتقد أن أزمة جائحة فيروس «كورونا» قد زادت من الحاجة الملحة إلى هدنة إنسانية. وهذا هو السبب الذي جعلنا ندعو إلى مثل هذه الهدنة. هذا من شأنه أن يؤدي إلى تحقيق تقدم على مستوى مسوَّدة وقف إطلاق النار الذي تم التفاوض بشأنه في اجتماعات لجنة «5+5» في جنيف في 23 من فبراير. ونرى أن هناك دواعي حقيقية للطرفين للالتزام بتلك الوثيقة ومن ثم المرور إلى وقف إطلاق نار تام ودائم. وأزمة جائحة فيروس «كورونا» الحالية تجعل من هذا الأمر أساسيًّا.

«الوسط»: في رسالتكم الأخيرة إلى القيادتين السياسية والعسكرية في ليبيا والشعب الليبي، قلتم إن الولايات المتحدة تقر بأن الأطراف الخارجية مسؤولة عن تأجيج الصراع في ليبيا، وإن واشنطن ستعالج ذلك عبر القنوات الدبلوماسية.. هل سنرى قريبًا نتائج هذه الجهود على الأرض؟ 
- آمل في أن يحصل ذلك. لقد وضع غسان سلامة والأمم المتحدة هيكلية فعالة من أجل وقف إطلاق نار حقيقي. لقد تمكَّن مؤتمر برلين في شهر يناير من جعل الأطراف الخارجية تقدم العمل اللازم والتعهدات المناسبة، وما نريده اليوم أن نرى هذه الأطراف تفي بتعهداتها وأن تتخذ الخطوات التي تناسب التعهدات التي اتفقت عليها. وبالنسبة لتلك الأطراف الخارجية التي تعتقد بأن أهدافها ستتحقق من خلال القتال، نعتقد بأنها مخطئة تمامًا. فالقتال لا يؤتي أكله بالنسبة للأمور التي نعتقد بأنهم يسعون لتحقيقها. لذلك نعتقد بأن الصواب الآن هو المرور فورًا إلى وقف لإطلاق النار والمفاوضات السياسية. 

«الوسط»: قلتم إن تجميد نشر المقاتلين الأجانب، ووقف القتال والأعمال العدائية، ضرورة مطلقة لمساعدة السلطات الصحية على احتواء تفشي العدوى بفيروس «كورونا».. كيف تقيِّم الاستجابة لهذه الدعوة حتى الآن مع فشل الهدنة الواضح؟
- كما تعلمون، كنا على تواصل مع المنظمات الليبية ومؤسسات الصحة العامة الليبية ومع المنظمات الدولية المعنية بالصحة العامة مثل منظمة الصحة العالمية، ونحن معجبون كثيرًا بالجهد الذي يسعون لبذله في كل أرجاء البلاد تحسبًا للتصدي لهذه الأزمة، غير أن القتال المستمر يعرقل جهودهم، وهو ما يعرض عملهم للخطر ويحوِّل مسار الموارد المتنوعة عن الجهد الذي يسعون لبذله لمجابهة جائحة «كورونا». فنحن نشعر بإحباط كبير، حيث إن الأطراف المشارِكة في مؤتمر برلين والاتفاق الذي تم التوصل إليه آنذاك لم تفِ إلى حد الآن بتعهداتها. وبصراحة نعتقد بأنهم سيدفعون ثمنًا أمام الرأي العام الليبي في مرحلة ما.

«الوسط»: الاتحاد الأوروبي أطلق هذا الأسبوع (الثلاثاء) عملية بحرية لمراقبة حظر توريد الأسلحة إلى ليبيا، تنفيذًا للقرار الأممي.. ما جهود الولايات المتحدة بهذا الخصوص.. هل ستدعم بلادكم هذا الاتجاه؟ 
- نعم، بالتأكيد إن الولايات المتحدة تدعم عملية «إيريني» التي أطلقها الاتحاد الأوروبي، ونتطلع إلى أن تنطلق العملية في أقرب وقت ممكن. وفهمُنا هو أن هذه العملية لن يكون لها بُعد بحري فقط، بل وجانب يتعلق بالمراقبة عن طريق الأقمار الصناعية، بحيث سيكون بالإمكان رصد خروقات حظر الأسلحة ليس فقط على الحدود البحرية بل عبر حدود ليبيا البرية أيضًا. 

«الوسط»: استمرار الأزمة الليبية على مدى تسع سنوات، دليل على فشل المجتمع الدولي، في معالجة هذه الأزمة.. كيف ترون فرص استمرار المسار السياسي لحلها في ظل انشغال المجتمع الدولي نفسه بجائحة «كورونا» وتداعياتها؟
- كما تعلمون، أعتقد في الحقيقة بأن أزمة جائحة «كورونا» ستزيد من الضغوط على جميع الأطراف داخل البلاد وخارجها لوضع القتال جانبًا والتركيز على أزمة الصحة العامة هذه. نعلم أن هناك سلطات في ليبيا وطنية ودولية تبذل قصارى جهدها للاستعداد للأزمة ومكافحة انتشار فيروس «كورونا»، إلا أن القتال يقف عائقًا مباشرًا لتلك الجهود. نعتقد بأن هناك إدراكًا متزايدًا من جميع الأطراف على أّنه من مصلحة الشعب الليبي وقف القتال حتى تتم السيطرة على هذا الوباء.

 «الوسط»: أوليتم في رسالتكم أهمية إلى موضوع دفع المرتبات، وأشرتم إلى أن الليبيين يحتاجون إلى مصدر ثابت لمواجهة الأزمة، وبما أنكم تدركون أن مصدر الدخل الأساسي، وربما الوحيد الذي تعتمد عليه ليبيا، هو النفط، وأن حقوله وموانئه مغلقة، رغم دعوات المجتمع الدولي بما فيه بلادكم إلى ضرورة فتحها، وهو ما لم يحصل.. فكيف يمكن تأمين مرتبات الليبيين.. وهل هناك موقف دولي أكثر جدية لإعادة إنتاج النفط إلى طبيعته؟
- في الحقيقة هناك مسألتان هنا، أولاً استئناف إنتاج النفط، ونعتقد بأن هذا الأمر يجب أن يحدث فورًا. ومن خلال النقاشات مع المؤسسة الوطنية للنفط ندرك أنه من المنظور الفني البحت، فإن البنية التحتية ستصاب بالشلل التام في حال عدم استئناف إنتاج النفط، وبالتالي فإن إنتاج النفط في ليبيا سيتأثر في المستقبل.

الأمر الثاني يتعلق بقدرة المؤسسات المالية والاقتصادية الليبية على العمل معًا لما فيه مصلحة البلاد بكاملها، خاصة مع ظهور أزمة فيروس «كورونا». 
نعتقد بأن ليبيا لديها كفاءات تكنوقراط قادرون على إدارة الثروات، وهم يحتاجون إلى الدعم والتشجيع والتفويض اللازم لتوحيد الجهود وحل هذه المسائل للتأكد من أن المؤسسات تعمل بشكل فعال معًا. لذلك نحن ندعم الدعوة لعقد اجتماعات من أجل تحقيق ذلك. ولا نعتقد بأن هذا يتعلق بالأشخاص، ولا يجب أن يتعلق بالأشخاص.

ونعتقد بأن الولايات المتحدة قد لعبت دورًا مهمًّا على مدى السنوات القلية الماضية في سعيها لمساعدة المؤسسات الاقتصادية الليبية على العمل معًا بشكل جيد. ونكره أن نرى تلك الجهود تذهب سُدى، خاصة بعد أن لاحت أزمة فيروس «كورونا» في الأفق. وفي الوقت الحالي نعتقد بأن هناك حاجة ملحة للأشخاص المعنيين في طرابلس وغيرها من مناطق البلاد أن يجتمعوا ربما من خلال المؤتمرات المنقولة عبر دوائر الفيديو المغلقة، إذ أنه يتعذر الالتقاء شخصيًّا، وللاجتماع في أقرب فرصة ممكنة، للتركيز بشكل خاص على المسائل المتعلقة بالاحتياجات المالية والاقتصادية للتعاطي مع جائحة فروس «كورونا»، بدءًا على سبيل المثال بمسألة دفع رواتب موظفي الصحة الذين يضعون صحتهم وحيواتهم على المحك من أجل مجابهة هذه الجائحة.

«الوسط»: أشرتم أيضًا إلى السماح بمراجعة وبتدقيق خارجي لمصرف ليبيا المركزي واعتبرتم ذلك سيكون خطوة سهلة تظهر للعالم أن القادة الليبيين ملتزمون بالشفافية ومحاربة الفساد، ومثل هذا التدقيق جاهز للبدء ولكنكم قلتم إن هذا الأمر «لسبب ظل عالقًا».. فما هو هذا السبب؟
- في الحقيقة لا أدّعي أنني أعرف السبب، وأتمنى أن يتم رفع تلك الأسباب في أقرب وقت ممكن. فالمراجعة الخارجية للحسابات أمر بالغ الأهمية، فهي تتعلق بالشفافية في موضوع الكيفية التي يتم بها توزيع الثروات الليبية. إن استمرار عرقلة عملية المراجعة يعني أن هناك مَن يريد إخفاء أمر ما. وأنا على ثقة تامة أنه حالما يتم إجراء مراجعة خارجية للحسابات بشكل فعال فإن ذلك سيساعد الناس على فهم أفضل لكيفية توزيع الثروات في ليبيا والتأكد من أنها توزع بشكل عادل قدر الإمكان. فهذه إحدى المسائل التي تكمن وراء الصراع، لذلك فمن المهم إحراز تقدم سريع على مستوى المراجعة الخارجية. 

 «الوسط»: يعتقد كثير من الليبيين بأن خيار العقوبات ضد المعرقلين لجهود حل أزمة بلادهم، أمر مهم ومن شأنه أن يساعد على فتح الطريق نحو الحل.. لماذا لم نرَ خطوات تصعيدية من المجتمع الدولي في هذا الاتجاه؟ ولماذا لا يسمى المعرقلون وداعموهم بالاسم؟
- لقد فرضت الولايات المتحدة عددًا من العقوبات من قبل، ونحتفظ بخيار فرض عقوبات إضافية على سبيل المثال مع هؤلاء الذين يعملون مع مجموعة «فاغنر» الروسية. العقوبات وسيلة فعالة ولكنها تستغرق وقتًا لتنفيذها. والآن هناك حاجة ملحة حول الوضع؛ لذلك من وجهة نظري أعتقد أنه على الأطراف المبادرة بالقيام بما يجب عليها القيام به من حيث تعليق الأعمال العسكرية ومجابهة جائحة فيروس «كورونا»، وعدم انتظار تطبيق العقوبات التي تتطلب منهم القيام بذلك بطريقة أو بأخرى.

«الوسط»: أعلنت الولايات المتحدة أخيرًا أنها ستقدم 6 ملايين دولار إلى ليبيا لدعم الاستجابة لمجابهة جائحة فيروس «كورونا».. كيف ستستخدم هذه التبرعات؟
- حسنًا، مبلغ الـ6 ملايين دولار الذي أعلنته الولايات المتحدة كمساعدة صحية في سياق أزمة فيروس «كورونا»، سيذهب إلى المنظمات العاملة داخل ليبيا، وبشكل أساسي المنظمات الصحية الدولية ولكن أيضًا العمل مع بعض الشركاء الليبيين لمحاولة القيام بما في وسعنا للمساعدة في احتواء انتشار الفيروس ومساعدة أولئك الذين أُصيبوا به. وأعتقد بأنه من المهم الإشارة إلى أن هذه المساعدة هي جزء من جهود المساعدة الأميركية المقدمة إلى ليبيا منذ فترة طويلة. ومنذ العام 2011، أعتقد بأننا أنفقنا ما يناهز 715 مليون دولار كمساعدة شاملة لليبيا، ونعتزم مواصلة هذا النوع من الدعم في الأشهر والسنوات المقبلة.

كلمة الختام 
اسمحوا لي في الختام، أن أشكركم على إتاحة هذه الفرصة لإجراء هذه المقابلة. بالنسبة لنا، من المحبط جدًا ألا نكون في ليبيا، سفارتنا لا تزال في تونس ولكن نعتزم العودة إلى ليبيا في أقرب وقت ممكن ولتقديم أوراق اعتمادي لرئيس الوزراء وإعادة فتح السفارة الأميركية في طرابلس. ونأمل أن يتوقف القتال في أقرب وقت ممكن بما يسمح لنا بالعودة. وفي غضون ذلك، سنفعل ما بوسعنا من مكاننا هنا بجوار ليبيا لمراقبة الوضع في ليبيا وإيصال الموارد والتأثير الأميركييْن إلى هناك في محاولة لمساعدة الشعب في ليبيا.

المزيد من بوابة الوسط