تصدع في مبادرة إقليمية تستنسخ التجربة الأفغانية في ليبيا

جانب من ملتقى القبائل في ترهونة. (أرشيفية: الإنترنت).

أوقعت رغبة دول الجوار الليبي في إسقاط تجربة القبائل الأفغانية المعروفة باسم «لويا جيركا» في صناعة القرارات الكبرى بالدولة، على القبائل الليبية، تصدعا في حراكها الدبلوماسي بعدما أعربوا عن استيائهم لتركيزها على القبيلة فقط لتحقيق توافق سياسي، كون الجيل الجديد يؤمن بالدولة المدنية فضلا عن الخلافات بينها حول «شرعية» تمثيل أعيانها ومشايخها في أي مبادرة قادمة من الخارج.

وتراهن تونس بمعية الجزائر على جمع ممثلي القبائل الليبية من عرب وطوارق وتبو وأمازيغ تحت غطاء مبادرة إقليمية لحل الأزمة كخطوة رئيسية في مسار التسوية السياسية مستأنسة بتجربة المجلس الأعلى للقبائل في أفغانستان الذي يعود الفضل إليه في تأسيس الدولة منتصف القرن الثامن عشر ميلادي إلى غاية إعلان دساتير للبلاد والعودة للحكم الملكي مطلع الألفية.

للاطلاع على العدد 223 من جريدة «الوسط» اضغط هنا.. 

وقارن الرئيس التونسي قيس سعيد خلال لقائه أمير قطر تميم بن حمد خلال حديثه عن الأزمة الليبية بين القبائل في ليبيا، والقبائل في أفغانستان، التي كانت مدخلا للحل السياسي إلى جانب كيفية جمع القبائل التي لها مشروعية شعبية، وكيف يمكن أن تكون هذه الشرعية طريقة تمهد لانتخابات دون أي تدخل خارجي.

وقال سعيد: «لا أعتقد أن الحل يمكن أن يأتي من الخارج، وقد عبر عدد من زعماء القبائل عن الرغبة في الاجتماع في تونس مرة أخرى». واستدرك مضيفا «قد يكون ذلك حلًا منقوصًا، لكنه أفضل من الحروب، وتونس من أكبر الدول المتضررة من الحرب في (جارتها) ليبيا».

من يمثل من في المبادرات الخارجية؟
ولم تكد تمر ساعات على إفصاح قيس سعيد عن فحوى مبادرته حتى توالت ردود فعل ممثلي القبائل على رأسهم مجلس مشائخ ترهونة الذي علق حول إمكانية عقد ملتقى للقبائل الليبية في تونس. وقال مجلس مشايخ وأعيان قبائل ترهونة، في بيان أصدره في الغرض، إن «التصريح جاء بعد نجاح ملتقى القبائل الليبية في مدينة ترهونة يوم 2 فبراير الجاري مما يعني أن القبائل الليبية قد قالت كلمتها وفصلت أمرها وحددت معالم دولتها، وفتحت الباب واسعا للمصالحة الوطنية وقررت تشكيل جسمها الاجتماعي الذي يمثلها»'.

وبعدما دعا كافة القبائل الليبية إلى الوقوف صفا واحدا مع الالتزام بما جاء في مقررات ملتقى مشايخ وأعيان ونخب ليبيا في ترهونة شدّد المجلس، على رفضه الشديد لـ«مقترحات من هذا النوع بخاصة عندما تقارن القبائل الليبية بالحالة الأفغانية» منتقدا توجيه الدعوة لهم خلال استقباله أمير قطر في تونس.

وقبل أيام أكد ملتقى القبائل الذي انعقد في ترهونة التمسك بديمقراطية واستقلال ليبيا، داعيا إلى محاسبة المتسببين في تعميق الصراع الداخلي. وجاء في البيان الختامي للملتقى «جميع القوانين التي أصدرها مجلس النواب واجبة النفاذ في كل ما يتعلق بقانون العفو العام، وإلغاء قانون العزل السياسي وحظر تشكيل الأجسام غير الشرعية والكيانات الإرهابية المتطرفة».

وشارك في ملتقى ترهونة التي تبعد نحو 80 كيلو مترا عن طرابلس أكثر من 5 آلاف شيخ من القبائل في عموم الدولة بما فيها المنطقة الغربية. وتعتقد فعاليات من المجتمع المدني أن ممثلي القبائل الذين قبلوا دعوة تونس لا تمثل مجمل القبائل الليبية، بل تمثل تيار «الإسلام السياسي» في ليبيا.

وكشف المجلس الأعلى للقبائل والمدن أنه سيشارك في اللقاء المقبل حال توجيه الدعوة من الرئيس التونسي الذي التقى في وقت سابق بعدد من أعضاءه، حيث سيقدم المجلس له خارطة الطريق على أن يتواصل مع الأطراف المعنية بشأن الأزمة في ليبيا مستبعدا «وجود أي تأثير لجماعة الإخوان المسلمين في الاجتماع».

لقاء مع ممثلين عن القبائل
وفي ديسمبر 2019 استقبل قيس سعيّد بقصر قرطاج، ممثلي المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية من أجل الخروج بمبادرة لحل الأزمة الليبية. وتعمل الجزائر هي الأخرى ضمن المسار ذاته بعدما التقى وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم مع نظيره بالحكومة المؤقتة في مدينة بنغازي بعدد من أعيان وحكماء ومشايخ القبائل الليبية الذين نقلوا «معاناة معظم سكان ليبيا من الجرائم التي اقترفتها الميليشيات المسلحة في حق الشعب الليبي» وسبب إقدامهم على إقفال آبار النفط. وكانت القبائل الليبية أصرت على استمرار إغلاق المصارف والحقول والموانئ النفطية لحين تشكيل حكومة موحدة قادرة على حماية مقدرات الليبيين.

وقبل أيام، أوضح النائب محمد الفيرس في ختام مشاركة مجلس النواب الليبي باجتماعات الجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط باليونان بأن الجزائر أبدت استعدادها لتبني اجتماع يضم وفودا عن القبائل الليبية والجزائرية في ليبيا أو الجزائر لتوحيد الشعبين للوقوف صفا واحدا ضد أي تدخل خارجي في الشأن الليبي. ويتحفظ من جانبه تيار «الإسلام السياسي» في ليبيا على جعل القبائل ركيزة في جهود إحلال السلام والمصالحة في ليبيا.

ففي رسالة لعضو الأمانة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين علي الصلابي مفتوحة للرئيس التونسي قيس سعيد، اطلعت «الوسط» عليها، اعتبر تشبيه الرئيس التونسي للقبائل الليبية بالقبائل الأفغانية بـ«غير الدقيق، وأن هناك اختلافات كبيرة بين الشعبين الليبي والأفغاني تجعل من المقارنة بينهما غير ذات جدوى» قائلا إن «السعي لإيجاد مؤتمر مثل مؤتمر القبائل الأفغانية، هذا المثال لا ينطبق على الشعب الليبي لأسباب عديدة كما أن التجربة الأفغانية مازال الصراع فيها محتدما إلى يومنا هذا»، داعيا الى عدم الاستعجال في جهوده إلى غاية فهم خارطة ليبيا ومفاتيح السلام والاستقرار فيها.

للاطلاع على العدد 223 من جريدة «الوسط» اضغط هنا.. 

وركز على حاجة المصالحة الوطنية في ليبيا إلى رؤية محلية وإقليمية ودولية تتبناها دول الاتحاد المغاربي ممثلة في تونس، والجزائر، والمغرب، وموريتانيا بعد الاتفاق مع مكونات المجتمع المدني على الرؤية الفكرية والسياسية والاجتماعية للمصالحة، وكذلك مع القبائل ومنظمات المجتمع المدني والهيئات المشهورة كالهيئة الطرابلسية والبرقاوية والفزانية، ورموز النظام السابق وقادة ثورة 17 فبراير والأحزاب ومجالس المصالحة على المستوى الوطني، وزعماء وأعيان المدن ومجالس البلديات ونواب البرلمان ومجلس الدولة والمؤتمر الوطني وإعطاء دور خاص للمجلس الأعلى للقضاء وإحياء دوره الوطني.

لماذا تستعجل تونس والجزائر مؤتمرا للمصالحة؟
وفرضت اللعبة الدبلوماسية الدولية لإدارة الملف الليبي على دول الجوار والبلدان الأفريقية التحرك لكن بدون خطة واضحة، فهم يستعجلون عقد مؤتمر وطني للمصالحة خشية تعميق النزاع بين شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، مع ما يترتب عن ذلك من انتشار الخلايا الإرهابية الأخرى في أراضيها، ومن ناحية أخرى غزو ميدان القتال من قبل القوى الخارجية التي تغرق ليبيا بالأسلحة والمرتزقة والمال.

وبالنسبة للجزائر فإن احتمالية تدهور الصراع الليبي، يعيد سيناريو سابق إلى الاذهان بحصول هجمات على مصانع النفط والغاز عام2013. وبما أن استقرار تونس يعتمد بشكل مباشر على استقرار الجزائر فمن المحتمل أن تتأثر تونس بسهولة أكبر بالأزمة سواء بسبب العلاقات التجارية مع ليبيا أو بسبب وجود أكبر للتونسيين في ليبيا والليبيين في تونس، إذ إنّ وصول تدفقات هائلة من اللاجئين الليبيين الفارّين من طرابلس، والتسلل المتوازي للخلايا الإرهابية من شأنه أن يخلق نفس الظروف التي أدت سنة 2015 إلى تصاعد الإرهاب بهجومين على متحف باردو في تونس العاصمة وفي المنطقة السياحية بسوسة التي ضرت بالسياحة.

وباشتراك البلدين في المخاوف والمشاكل الداخلية ذاتها، لا يستطيعان التحرك إلا بخطى حكيمة في إدارة ملف ليبيا أمام صعوبات تواجههما مع اتخاذ غالبية الأطراف المحلية في الحرب موقف منحاز لجهة ما.

< الرئيس التونسي قيس سعيد خالل لقائه أمير قطر تميم بن حمد. (الإنترنت).

المزيد من بوابة الوسط