دبلوماسي ليبي يطالب بوقف تفعيل معاهدة الصداقة مع إيطاليا والتمسك بـ«إعلان 1998» إطارا مرجعيا

أظهرت ورقة ليبية حول معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون مع إيطاليا، أن التقديرات الخاصة بتعويض ليبيا عن فترة الاحتلال الإيطالي تصل إلى مايتراوح بين 200 إلى 300 مليار دولار، وذلك لطبيعة الاستعمار الإيطالي الاستيطانية وسقوط مايتراوح بين 700 ألف إلى مليون شهيد ليبي.

ودعت الورقة التي أعدها السفير مراد محمد حميمه حكومة الوفاق بإعادة النظر في مسالة تفعيل معاهدة الصداقة والشراكة الليبية الإيطالية، التي جمدتها حكومة الكيب بعد قيام ثورة 17 فبراير، ووصف السفير الليبي قرار التجميد بأنه قرار صائب يخدم المصلحة الوطنية ولا يجب تجاوزه في هذه المرحلة الانتقالية.

كما دعت مجلس النواب ومجلس الدولة الاستشاري إلى مخاطبة الحكومة الإيطالية والبرلمان الإيطالي وإبلاغهما بما يلي:

أولا: وقف الجانب الليبي تفعيل هذه المعاهدة بشكل فوري، وأنه سوف يتم النظر فيها بعد قيام مؤسسات الدولة الدائمة التشريعية والتنفيذية والقضائية.

ثانيا: إن الإعلان المشترك لايزال يشكل الإطار المرجعى والقانوني للعلاقات الليبية الإيطالية.

وإذا لم تستجب الحكومة الإيطالية لدعوة البرلمان الليبي طالب السفير الليبي بضرورة اللجوء إلى محكمة العدل الدولية لتقديم مذكرة بهذا الخصوص، تؤكد على حق ليبيا في اتخاذ الإجراءات القانونية التي يكفلها القانون الدولي مستقبلاً

وفيما يلي نص ورقة السفير مراد محمد حميمه حول معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون الليبية الإيطالية
أعلنت حكومة الوفاق والحكومة الإيطالية بتاريخ 4-7-2018 تفعيل معاهدة الصداقة الشراكة والتعاون الليبية الإيطالية الموقعة في 20-8-2008 بالرغم من أن هذا الإجراء قد يترتب عنه أثار سلبيه تتعارض مع مصالح الدولة الليبية، ومن منطلق المصلحة الوطنية والبعد التاريخي الهام لهذه المسألة، أود إبداء الرأي حولها وتوضيح التالي:  

الخلفية التاريخية للمعاهدة
- بتاريخ 4-7-1998 م تم إصدارالإعلان الليبي الإيطالي المشترك الذي تضمن اعتذار الحكومة الإيطالية للشعب الليبي عن معاناته خلال حقبة الاستعمار الإيطالي والتعهد بتعويضه من خلال تنفيذ برامج بنية تحتيه يتفق بشأنها الطرفان وتنفذ بواسطة شركات ليبية وإيطالية.

- لم يحدد الإعلان قيمة التعويض وترك ذلك لاتفاقيات لاحقة.

- شكل اعتذار إيطاليا الرسمي للشعب الليبي عن حقبة الاستعمار وما نتج عنها من أضرار بشرية ومادية ومعنوية، سابقة تاريخية لم تقم بها أي دولة ذات ماض استعماري في أي جزء آخر من العالم.

- نتيجة لذلك تعرضت الحكومات الإيطالية المتعاقبة لضغوطات وانتقادات شديدة من عدة دول ذات ماض استعماري وخاصة فرنسا وبريطانيا وبلجيكيا وطالبتها بالتنصل من الاعتذار والتراجع عنه، وذلك لما شكله من سابقة هامة في مجال العلاقات الدولية والقانون الدولي، وفتح الباب أمام الدول المتضررة للمطالبة بالاعتذار أسوة بالحالة الليبية وما يترتب عن ذلك من تعويضات مالية كبيرة.

- سبب آخر وراء محاولات الحكومة الإيطالية إلغاء الاعتذار الوارد في الإعلان المشترك لعام 1998م أنه يفتح الباب وفق القوانين الإيطالية وقوانين الاتحاد الأوروبي والقانون الدولي أمام المواطنين الليبيين بشكل منفرد أو جماعي لرفع قضايا ضد الدولة الإيطالية للمطالبة بتعويضات حقيقية عن فترة الاستعمار، وفي المقابل فإن المعاهدة تغلق هذا الباب.

- عليه سعت الحكومة الإيطالية إلى التنصل من الإعلان الليبي الإيطالي المشترك الموقع في 4-7-1998 ، وبعد مرور عشر سنوات على إصداره تمكنت من إقناع الحكومة الليبية بالتوقيع على معاهدة الصداقة الليبية الإيطالية في 2008/8/20 م لتكون بديلا عنه.

تجميد المعاهدة
قامت الحكومة الليبية بعد ثورة 17 فبراير بتجميد تفعيل معاهدة الصداقة الليبية الإيطالية، حيت رفضت حكومة عبدالرحيم الكيب آنذاك طلب الحكومة الإيطالية تفعيل المعاهدة جملة وتفصيلاً، وذلك خلال زيارة رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق د.مونتي الي ليبيا عام 2012م  
جاء رفض ليبيا تفعيل المعاهدة للأسباب التاليه:

أسباب تاريخية وسياسية
- إن قيام الدولة الإيطالية تقديم اعتذار رسمي للشعب الليبي عن حقبة الاستعمار شكل إنجازا تاريخيا غير مسبوق للدولة الليبيه لا يتأتى التفريط فيه أو التنازل عنه مقابل تعويض لا يتناسب مع حجم المأساة.

- نصت المعاهدة في ديباجتها على أنها المرجع القانوني الحصري للعلاقات الليبية الإيطالية، وبذلك تلغي الإعلان المشترك والمحضر الشفوي الملحق به، بالإضافة إلى أنها توقف كل الآثار المترتبة على الإعلان المشترك ومن أهمها الاعتذار الرسمي عن فترة الاستعمار وحق ليبيا في المطالبة مستقبلاً بأي تعويضات مالية تتناسب مع حجم الدمار والمأساة التي تعرض لها الشعب الليبي، وذلك كما ورد في الفقرة رقم (2) من المادة (23) من الأحكام الختاميه للمعاهدة.

- على النقيض من الاعتذار الرسمي والصريح الوارد في الإعلان المشترك، لم يشرعنوان المعاهدة أو الفقرات الواردة فيها إلى كلمة اعتذار أو تعويضات، ولكنها تشير إلى - تسوية نزاعات حقبة الاستعمار- أي أنها اختزلت مآسي الاستعمار الإيطالي في ليبيا إلى مجرد نزاع يتطلب التسوية. هذا وقد صرح رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق برلسكوني لصحيفة كوريرا ديلا سيرا الإيطالية بتاريخ 2008/8/30م بعد التوقيع على المعاهدة موضحاً أن الهدف من هذه المعاهدة هو "مهاجرون أقل عدداً لإيطاليا ونفط أكثر لإيطاليا".

أسباب اقتصادية
- نصت المعاهدة على أن قيمة المشاريع التي ستنفذ في ليبيا في إطار المعاهدة تقدر بـ (5) مليار دولار مجدولة علي مدى 20 سنه و أن جميع المشاريع تنفذ حصريا من قبل شركات إيطالية في تعارض مع الإعلان المشترك الذي نص على أن تنفيذ المشاريع يتم من خلال شركات ليبية وإيطالية. وقد أشار ملحق القرار الذي أحالت به الحكومة الإيطالية المعاهدة إلى البرلمان الإيطالي للمصادقة عليها إلى أن المبالغ المالية اللازمة لتمويل المشاريع لن يتم توفيرها بشكل مباشر من دافع الضرائب الإيطالي، ولكن سيتم تحصيلها من خلال فرض ضريبة دخل قيمتها 4% على الشركات الإيطالية العاملة في مجال النفط في ليبيا، بمعنى مساهمة ليبيا بشكل غير مباشر في قيمة التعويض.

- إن القيمة الحقيقية للتعويضات تتجاوز الخمسة مليارات بكثير، وذلك وفق منظمات غير حكومية دولية ومراكز بحوث متخصصة تدرس هذه المسألة من جانب تقدير القيمة المالية التي يتوجب على الدول الاستعمارية دفعها للدول التي تعرضت للاستعمار، وعلى سبيل المثال لا الحصر تقدر قيمة التعويض المستحق للهند نتيجة للاستعمار البريطاني بأكثر من ألف مليار دولار، والتعويض المستحق لمصر بحوالي مائة وخمسين مليار دولار، أما بالنسبة لليبيا فإن القيمة تقدر بحوالي مئتين إلى ثلاثمائة مليار دولار، وذلك لطبيعة الاستعمار الإيطالي الاستيطانية وسقوط مايقارب من سبعة مائة ألف إلى مليون شهيد ليبي.

الخلاصة
- إن الإعلان الليبي الإيطالي المشترك لعام 1998م يعتبر إنجازا تاريخيا غير مسبوق، حققته الدولة الليبية، لاتملك أي مؤسسة من مؤسسات الدولة الانتقالية الحالية التنازل عنه أو إلغاءه من خلال تفعيل معاهدة الصداقة الليبية الإيطالية أو أي وسيلة أخرى، وأن هذه المسألة يجب تركها إلي ما بعد بناء مؤسسات الدولة الدائمة لتقرر ماتراه مناسباً بشأنها حيث أن الأمر يتعلق بالحقوق المشروعة والتاريخية للشعب الليبي لايجوزلأي مؤسسة من مؤسسات الدولة الانتقالية الحالية اتخاذ قرار بشأنها.

- أن قرار حكومة الكيب تجميد المعاهدة قرار صائب يخدم المصلحة الوطنية لا يجب تجاوزه في هذه المرحلة الانتقالية التي تعاني من وهن الذاكرة الجماعية لمؤسسات الدولة.

آليات التعامل
أمام الدولة الليبية عدة خيارات قانونية وإجرائية لتجميد العمل بالمعاهدة من بينها:

1- أن تقوم حكومة الوفاق بإعادة النظر في مسألة تفعيل الاتفاقية والشروع في مراجعة شاملة للمسألة من جوانبها المختلفة.

2- أن يقوم البرلمان الليبي ومجلس الدولة الاستشاري كلا من خلال رئاسته بمخاطبة الحكومة الإيطالية والبرلمان الإيطالي وإبلاغهما بالآتي:

* وقف الجانب الليبي تفعيل هذه المعاهدة بشكل فوري، وأنه سوف يتم النظر فيها بعد قيام مؤسسات الدولة الدائمة التشريعية والتنفيذية والقضائية.

* أن الإعلان المشترك لايزال يشكل الإطار المرجعى والقانوني للعلاقات الليبية الإيطالية.

3- في حالة عدم استجابة الحكومة الإيطالية لهذا المطلب فإنه يتم تقديم مذكرة إلى محكمة العدل الدولية وفقاً للنسق المذكور في الفقرة السابقة والتأكيد على حق ليبيا في اتخاذ الإجراءات القانونية التي يكفلها القانون الدولي مستقبلاً.
ختاما، فإنني من هذا المنبر، أدعو الاخوات والأخوة الليبيين، خبراء القانون الدولي والتاريخ والعلاقات الليبية الايطالية المشاركة بآرائهم حول هذه المسألة الهامة التي تعني جميع ابناء الوطن الواحد، في اطار إثراء الحوار، ووضع جميع الحقائق والخيارات امام صانع القرار.
.........................
* السفير مراد محمد حميمه

السراج وجنتليوني يوقعان على مذكرة تفاهم بين ليبيا وايطاليا بشأن مكافحة الهجرة الشرعية.