السخرية وذاكرة الجدران في «سجنيات»

قراءة في المجموعة القصصية «سجنيات» للكاتب الليبي عمر أبوالقاسم الككلي (أرشيفية)

إن قولبة الأفكار في إطار معين، ربما يكون مجحفًا في حق تعددية دلالة النصوص السردية في المجموعة القصصية «سجنيات» للكاتب عمر أبوالقاسم الككلي، فطبع نسخة مطابقة في الذاكرة لا يتم إلا بوعي أبعاد هذه التعددية غير المقيدة باتجاه طبعًا، لذلك لزم كشف كنه الغموض واستجلاء مغزى المضي في مسالكها، فخلف الجدران يتمخض شيء ما أشبه بالحلم، أنها السخرية المتمخضة من جوف العذاب.

النصوص وإن كانت مترادفة الإيحاء والفكرة، فهي منحوتة زنزانية خالصة، سفر «الجدران الكالحة الواجمة التي تعتصر المساحة الضيقة بحثًا عن آثار من حلو بهذا الحيز» ص21، وسيصبح البحث عن سر اللغة المختفية وراءها أشبه بجمع بصمات ضيوفها الرحل، لذا فالوصف الفيزيائي يفسح المجال للميتافيزيقي باستنطاق بانوراما اللحظات المتناثرة في السديم الزمني، تسندها ذاكرة الرجل «المعتمد بمرفقه على قاعدة النافذة لعشر سنوات، وقد نشأ على مرفقه شيء يشبه الكلكل، وتكونت في موضع ضغط المرفق على القاعدة الأسمنتية للنافذة حفرة صغيرة» ص11، فالتحام اللحم والأسمنت هي صورة مفاهيمية للذاكرة أو لانتظار تفلت العقل من قبضة الجدران، ستتوقف هنا الفيزياء وتبدأ لغة أخرى في صياغة فسيفساء المكان بالتمرد اللامرئي.

«اللامرئي» وهي إحدى قصص المجموعة تبرر على لسان الراوي «البطل» فعل الذوبان في الجموع حفاظًا على الكينونة، وليس هروبًا من مواجهة حراس السجن، وعندما تتم عملية تبادل الأماكن في الزنازين، «اكتفي اعتمادًا على لامرئيتي وعدم تغيير شكلي بإعطاء الحارس ظهري والتظاهر بأني منشغل بتسوية شيء أمامي» ص60، فالقراءة النفسية لأي مناورة في الغالب تحيلك بنتائجها المتصورة إلى المربع الظلي الواصل بين القدرة وعدم الرغبة في الفعل، وتصبح الحاجة لازمة وملحة بصيانة النسخة الساكنة في كينونة الروح بالسلوك اللامرئي للجسد، فهي أشبه بمقاربة صوفية للألم.

مناورة صوفية أخرى في سديم الجدران يقدمها نص «سطوة المعنويات» وهو «رسم استراتيجية المقاومة» عبر «النجاة بذرات صغيرة قليلًا قليلًا» ص2، لتفادي الخوار الكامل للإرادة المؤدية في النهاية إلى إيقاف سر الوهج الأبدي للذات «التفكير» بالاستناد إلى المنطق الديكارتي للوجود كإجابة ضمنية لجملة النائب العام الإيطالي في محاكمة غرامشي «يتوجب علينا أن نوقف هذا الدماغ عن العمل عشرين سنة، ويتطلب من البطل عمل العكس على أن أحرمهم من ذلك» ص75.

في هذا النص يحاول الراوي صياغة المفهومين الديكارتي متضمنًا في السياق العام والغرامشي المباشر، الأول كفلسفة والأخير كتطبيق عملي لطقوس المقاومة كيفما كان السبيل، وهو يقدم شواهد واقعية من التاريخ ونماذج له في نص «إدارة العجز»، والذي يكيف الضحك لمواجهة الضرب، السخرية في مقابل العنف، ويبدو أن ردة فعل السجين أفشلت الجلاد فلم يعد لضربه ص68، وهي ذات الصياغة الفيتنامية التي يوردها الراوي عندما كان الفيتناميون يلجؤون للغناء الجماعي ردًا على سقوط قنابل الغزو الأميركي كشاهد واقعي للراوي في نص «سطوة المعنويات» وكذلك نص «بدلاً من البكاء»، فالنصوص تفسر بعضها البعض وتتدفق في سياق هرموني متداخل يحيلك كل منهما إلى الآخر، كأنما تتعمد تهشيم الزمن والجدران بفعل السرد المفتوح والانتقام من القولبة بنسف الثوابت ورسم الأحداث والمواقف في شكل ومضات غير خاضعة لأي صورة من صور الترتيب.

ترتكز النصوص أيضًا على لعبة المفارقات ملتمسة طريق آخر لسبر حقيقة تأثير الواقع في كوامن الانفعالات الإنسانية، وكيف يصبح المنتقد هدفًا للسؤال، فالسجان الذي علق على تصرف الغرائز الحيوانية في فيلم وثائقي بجملة «ما حيوان إلا بنادم»، هو رامز بدلالة متسائلة تقول هل أفزعت الصورة حقيقة بشريته المتوحشة مع المساجين فنطق بالعبارة محاولًا نفي التهمة عن نفسه، أم أن ما يفعله لا علاقة له بما رآه، وهو تعليق يقع خارج دائرة الشعور الإنساني، وأصبح هذا السلوك المشوه جزءًا من تكوين الشخصية السجانية المتناقضة، وما يرجح التفسير الأخير نص «العرم» عندما يقول الراوي «لم تكن إهانة البشر لتثير حفيظته» وهو الحارس الذي صاح في الجميع بسؤال استنكاري «تي انتم شن ناقصكم» ص53، فالصورة السجنية لا تتمأسس على نموذج القهر النفسي للمسجون وإنما تلتهم توابعها وتأثيراتها المتلاحقة الجلادون أنفسهم.

صورة أخرى للجلاد الضحية يجسدها نص «قضية للنقاش» عندما يحتدم الجدل بين المسجونين، ويحاول السجان معرفة السبب فيتولى أحد السجناء الإجابة بشكل ساخر وبجمل مطلسمة مبهمة لا معنى لها ووجد الحارس نفسه محاصرًا بجهله، فاكتفى بقوله «باهي غير تناقشو بالشوية» ص40.

والشق الثاني في لعبة المفارقات هي نصي «التكنوقراطي» و«بكاء وابتسام»، ففي الأول يمارس السجان وظيفتين متناقضتين، الجلد وإسعاف المرضى، هي جزء من الحالات التي يعايشها السجان داخل عالمه الوظيفي والنفسي المركب، فهو محكوم بالعمل في حدودها والتكيف مع طقوسها ويتحول اللامنطقي بالنسبة للآخرين إلى منطقي وواضح في فضائه السجني، فتهشيم الثوابت لم تعد مهمة الراوي فقط، بل أصبحت حالة متبادلة بين الجلاد والضحية، كيف يصبح كل منهما جزءًا من هذا العالم دون الوقوع في وحل الجنون.

في نص «بكاء وابتسام» نلمس مفارقات الموقف في بكاء المفرج عنهم والمتهمين يواسونهم، هو ليس تبادلاً للأدوار إلا أن الحالة الوجدانية متباينة ومتشابكة في ردود أفعالها بحيث لا تستعصي على التفسير، بل وتصبح محاولة التعبير جناية على طبيعة وخصوصية اللحظة ذاتها، وبذا فاجأت الصورة الراوي وتوقف النص على الاستمرار أو المضي أكثر في محاكاة الموقف.

تتجمع هذه الرتوش من الإسقاطات والإشارات والومضات والوقفات والمشاهد المفتوحة ضمن فضاء الكوميديا السوداء وبإيقاع يمنحك الإحساس بالتوافق المشهدي مع رصيد تاريخي وافر من الصور الساخرة القديمة الجديدة في الزمان والمكان، والفارق يبقى جوهريًا كامنًا في عمق اللحظة ذاتها وأجوائها النفسية المكونة لخصوصيتها وحضوض الشخوص من فاعليتهم في الموقف، وفي المقابل كيف يمكن تفسير تلك الفاعلية بأسلوب ورؤية معينة تمثل بصمة الابهام للنص، وهو ما تترجمه السخرية المتدفقة في النسيج السردي «السجنيات»، ففي نص «وقت الحمام» نرى محاولة الاستفادة القصوى من أي نشاط مهما كان محدودًا حتى ولو كان ذلك هو الدخول للحمام والبقاء فيه أطول وقت ممكن، فالبطل الراوي يقدم صورة هزلية ساخرة لعالم الجدران الكئيب من خلال وهم الولوج لمساحة أخرى هي بالنسبة له واقع افتراضي موقت.

مع إدراك أن هذه المناورات محدودة وإمكانية الخروج من القفص لن تنجح حتى بأكل خبز سبع فطيمات في قصة «رغيف السبع فطيمات»، الإجابة جاءت من النص ذاته «والله يا داداي كان ما نفعتني خبزة السبع فطيمات ما عاد نافعتني حاجة وقالت داداي وأمي ضاحكتين ضحكًا مغموسًا بالأسى: النافع ربي يا وليدي» ص47، وسيبحث الراوي عن سبيل آخر للتكيف «نظرية الإيحاء العددي» وهو عنوان النص وتنتهي المهمة بالفشل إمعانًا في السخرية وكذا باقي النصوص مثل «الرمضاء والنار» و«دجاج مختصر».

وتصبح ممارسة الطقوس الاعتيادية أمنيات يصعب تحقيقها على المستوى البيولوجي، ويتحول الهدف إلى السخرية من كل شيء، السخرية كانتقام وعزاء في عالم السواد الكبير «السجن».

سجنيات هي إحالات لسيرة الراوي غير الخاضعة للترتيب، فالمقصود هو المضي بعيدًا بالسرد إلى آفاق مفتوحة ومشاكسة للتسلسل، في اتجاه إعادة تقييم فلسفي للأحداث بما لا يلغي أبعادها التاريخية، والنصوص هي إضاءة داخلية للخارج وليس العكس، إعادة تكبير قيمي للثواني والدقائق المتسربة في غفلة منا ونحن خارج الأسوار دونما وعي بها إلا بالفقد، الفقد الملازم دومًا للبقاء، إذ لا معنى لكليهما إلا بالآخر.

المزيد من بوابة الوسط