الهجرتان: النفط والحرب

نورالدين خليفة النمر |
الكاتب نورالدين خليفة النمر (أرشيف: بوابة الوسط) (photo: )
الكاتب نورالدين خليفة النمر (أرشيف: بوابة الوسط)
نورالدين خليفة النمر

أوباري، الواحة التي يبلغ سكانها 35.000 والواقعة في عمق الصحراء بعيداً عن العاصمة بمسافة 1200 كم، رئيس لجنة النازحين فيها ذكر أن عدد الأُسر اللاجئة منها إلى طرابلس يفوق 3000 يعيشون- ضمن المصاعب الحياتية التي يعيشها سكان العاصمة- ظروفا إنسانية صعبة.

الخبر المنشور في موقع «بوابة الوسط» بتاريخ 3 سبتمبر 2016 أعادني إلى التأمل في قضية النزوح الليبي من الدواخل إلى المدن الساحلية Rural – urban migration مع تغيّر عامل النزوح إلى الطارد أي النزاع الأهلي المحترب من المستقطب، أي الطفرة المفاجئة للنفط، وهو موضوع عالجته في بحث جامعي عام 1997 في جامعة أولدنبورغ بشمال ألمانيا. موضوعة البحث تسمى بالألمانية Landflucht حرفيا النزوح أو الانقلاع من الريف.

في كتابه أثر البترول على الاقتصاد الليبي الصادر عن دار الطليعة 1972 والذي يغطي الحقبة بين 1956- 1969 يشير المخطط الاقتصادي الليبي المرموق علي عتيقة إلى تعديّ تأثير النفط والنزوح البشري الذي ارتبط به النواحي الاقتصادية ليشمل تأثيره السلبي الثوابت المجتمعية، والمكوّنات النفسية للمجتمع الليبي بأسره. هذا التأثير السلبي تابعه بتفصيلات سوسيولوجية نافذة الباحث الليبي ياسين الكبير في أطروحته للدكتوراة المنجزة بأميركا «المهاجرون في طرابلس الغرب: دراسة حالة التماثل» المنشور بالهيئة القومية للبحث العلمي عام 1972، في هذه الأطروحة يشير الباحث، ربما لأوّل مرة في تاريخ ليبيا، إلى تكوّن الحواضن الديمغرافية للعنف المجتمعي، ويرجعه بشكل أساسي إلى تصرّف الدولة وقت ذاك، التي بدأ النفط يدّر عليها أموالاّ، في إصطناع حلول مؤقتة في المدينتين المستقطبتين للنازحين، طرابلس وبنغازي، التي تناولها دون رصد الانحرافات الاجتماعية بحث «سكوما مكرجي، وعزيز القطيفي، دراسة اجتماعية ـ اقتصادية لمدينة بنغازي، كلية الاقتصاد ،جامعة بنغازي 1970».

ففي عام 1954 أجرت الحكومة الليبية بمساعدة الأمم المتحدة إحصاءا رسميا للسكان في ليبيا وطرابلس خاصة، ثم أتبعته بإحصاء آخر عام 1964، وقد أظهر الأحصاءان، ونتائجهما الرقمية: أن طرابلس عرفت تزايدا سكّانيا سريعا في مرحلة 1954ـ 1964. إذ تضاعفت النسبة المئوية للتزايد السكاني من (3.42.%) 1911 -1931 الى( 5 .6 % ) في مرحلة 1954- 1964. هذا التزايد اللافت، لايعود في أساسه الى التكاثر الطبيعي، الذي بلغ، بناءا على تقارير وزارة الأنماء والتخطيط، (2.95 %) بل إلى المضاف النزوحي الذي يعود إليه نصف التزايد السكّاني. ويتضّح دور الهجرة الداخلية في تزايد سكان مدينة (طرابلس) لدى مقارنة نسبة تزايدها السنوية مع نسبة (دواخل طرابلس). ففي مرحلة مابين 1954- 1964 ارتفع التزايد في الدواخل الى نسبة (1.67%) بينما بلغ في مدينة طرابلس نسبة (6.5 %).

بنغازي، المدينة الكبرى الثانية بعد طرابلس، شهدت نتيجة اكتشاف البترول هي الأخرى هجرة كثيفة من المناطق الريفية والمدن الصغرى: فنسبة النازحين إليها 1949- 1958 تقدّر بما يزيد عن ½ عددهم الكلي، وهي تساوي تقريبا نسبة من قدموا قبل هذه الفترة، وإذا أخذنا بالاعتبار عدد العائلات الذي تمّ تقديره في تلك الفترة وهو 30098 والرقم الممثّل لحجم العينة هو 815 عائلة، يمكننا تقدير أن حوالي 3400 عائلة قدمت إلى بنغازي إبّان الفترة مابين 59 ـ 1968.

في طرابلس، التي استهدفها النزوح الأكبرواستهدفتها دراسة ياسين الكبير المعمّقة، تمّ التعاطي مع مسألة النزوح النفطي بحلول وتحايلات من الدولة والمجتمع، منها فتح الباب بعد الاستقلال لأثرياء، وسماسرة جلّهم من اليهود الليبيين لشراء الحقول في ضواحي المدينة من ملاّكها الليبيين والإيطاليين، وتقسيمها كقطع سكنية صغيرة بنيت فيها مساكن بدون مخطط عمراني استوعبت النازحين الجدد من قبل أقاربهم، وافتعلت فيها دكاكين مفتوحة على الشارع استوعبت العزّاب، ولجوء الحكومة إلى تهديم قرى الأكواخ التقليدية التي نشأت في الحقبة الكولونيالية لإيواء المجندين الليبيين في الجيش الإيطالي كـ: كانبوات سيدي منصور بباب قرقارش، وباب بينيتو موسوليني، وسيدي علي الهاني، وباب عكّارة والتي آوت النسبة الكبرى من نازحيّ الدواخل، والليبين العائدين من المهجرّين إلى تونس في الحقبة الاستعمارية - إلى جانب النزوح النفطي المضاف، لتنقل سكانها إلى المساكن الشعبية الحكومية "مُرّبعات إدريس للإسكان"، أو إلى أكواخ أخرى عند أطراف المدينة. وفي كلا الحالين كان لهذه العمليّة أن تؤدي إلى سقوط العلاقات الاجتماعية القديمة لتنشأ مشاكل تكيّف جديدة، ساهمت في مظاهر التوتر والصراع التي تفرضها طبيعة التجاور الكثيف التي تستلزم التقارب الطارئ، والنشؤ المتشابك للعلاقات الاجتماعية، بل إن الاختلال في الانسجام الاجتماعي قد وصل إلى العائلة نفسها منعكساً في صورة تصدّعات كثيراً ماكانت تنفجّر في شكل صراعات عنيفة. فانعدام الانسجام في علاقات الجوار، وانهيار السلطات الريفية التقليدية، دون أن يكون هناك بديل حضري جديد، قد فتحا المجال لعنف مجتمعي تجلىّ فيما يمكن تسميته بـ«الظواهر العنفية والإجرامية».

بعد الانقلاب العسكري على الملكية في ليبيا عام 1969، وفي سياق السياسة الثورية العشوائية فيما سمّي بـ «الثورة الإسكانية» أي سياسة الإسكان الشعبي والتوطين بواقع الحال، تغيرت دراسة المسألة من النزوح إلى قضية التنمية والتحضّر Urbanization بين 1970- 1980 حتى تطبيق نظرية الكتاب الأخضر بمقولة "البيت لساكنه" وهو مارصدته دراسات السوسيولوجي المرموق مصطفى التير كـ التنمية والتحديث (نتائج دراسة ميدانية في، المجتمع الليبي) معهد الإنماء العربي بيروت/ طرابلس 1980، و"مسيرة تحديث المجتمع الليبي: مواءمة بين القديم والجديد"، بيروت معهد الإنماء العربي1992. أو أطروحة عبد الله الهمالي، التحديث الاجتماعي،الدار الجماهيرية للنشر،مصراتة /ليبيا ، 1986.

هذه الدراسات تحوطاً وتوجسّاً من التوجهات الدكتاتورية الحاكمة اكتفت برصد المسألة في بيانات وجداول إحصائية، ولم تتطرّق إلى أسباب الاستقطاب للنزوح الثاني من الدواخل والأطراف للعاصمة طرابلس كإغراء السلطة والعسكرة الشاملة والممركزة والأخرى المنتقاة مناطقياً وقبلياً ككتائب عسكرية وأمنية لحراسة النظام في العاصمة ، وتغيير الديمغرافيا المجتمعية بما عُرف بالترييف والبدونة والأخير هو ماحاق أيضا بالمدينة الثانية بنغازي، وهو مانرى اليوم نتائجه في مظاهر الانقسام المجتمعي والتنافر العنفي- العقائدي.

الدراسات السالفة التي قدّمتُ بعض معطياتها أظهرت الوعي المبكّر لدولة الاستقلال ومؤسساتها بمسألة النزوح الداخلي الذي ارتبط بطفرة النفط بداية ستينيات القرن الـ20، ونعني بذلك المؤسسات الحكومية المتينة كمصلحة الإحصاء والتعداد التي اتبّعت الطرائق العلمية الحديثة أو إدارة التخطيط التابعة لمصرف ليبيا المركزي التي أنشأها تحت رئاسة المصرفي المرموق علي العنيزي الباحث الذي أشرنا إلى بحثه الرائد المخطط الاقتصادي علي عتيقة أو المؤسسة العلمية وأعني الجامعة الليبية الوليدة التي كوّنت بحاثة ليبيين مرموقين كمصطفى التير، وياسين الكبير، وصبحي قنّوص، وأحمد الأحمر الذين لفتت الأستاذة المشرفة على حلقة البحث والزملاء الطلاب الألمان طرائقهم ، وبناءاتهم الإحصائية والجدولية ووعيهم الثقافي بالمسألة الاجتماعية الوطنية.

ظاهرة النزوح النفطي، بإيجابيته وسلبيته، لايمكن مقارنته بالتهجيرالذي أدّت إليه جريمة، أو بالأحرى مسخرة، الاحتراب الأهلي الظاهرة الشغّالة منذ 4 سنوات مابعد ثورة 17 فبراير، والمتروكة بسبب الفوضى المؤسسية الليبية وفقرها من الأطر البشرية، إلى عشوائية معلوماتية وإحصائية مخجلة.

وهو الأمر الذي دفعنا إلى بحث مضيّق فيما يخص طرابلس ولكنه مضنٍ في مواقع المنظمات الإنسانية الدولية والصحافة الألكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي،التي قدّرت إحصائياتها كالتقرير المُقدّم هذا العام من قبل سفير إنجلترا في ليبيا لمجلس العموم البريطاني عدد النازحين الليبيين بـ417,000 نازح.

العاصمة طرابلس التي تحتضن قنبلة سكانية موقوتة منذ أزيد من 3 عقود مهددة بالانفجار المجتمعي والشبابي، والذي ظهرت بعض ملامحه المبدئية في ممهّدات ثورة 17 فبراير، باحتلال عمائر إسكان حكومي بتاريخ 12 .يناير 2011، زيادة على انتهاكها بأعداد لاحصر لها من الميليشات التي ينتمي منتسبوها إلى مناطق من خارجها تمتد شرقاً إلى مصراتة وغرباً حتى صبراتة وزوارة، وجنوباً حتى نالوت، فإنها منتهكة أيضاً بنازحي الاحتراب كالنزاع الذي سلفت الإشارة له: الإثني القبلي بين الطوارق والتبو في أوباري الذين يفوق عددهم 3000 أسرة، ينضافون إلى مهجرّي تاورغا الذين قدّرتهم في مارس. 2012 سجلات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بـ 14,500 نازح آوتهم مخيمات طريق المطار والأكاديمية البحرية بجنزور، وضاحية الفـلاح، كما تقيم حوالي 530 أسرة في القرى المحيطة بمدينة طرابلس. هذا عدا مهجرّي المشاشية، والقواليش التي لاتوجد إحصائيات عنهم.

العنف الليبي بضروبه يتمحور في الصراع والتهجير وله وجهان: النفط والحرب، تكشّف البديل يكون بالكلمة التي لها عينان.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات