Atwasat

أفعى تبتلع ذيلها

عمر الكدي الإثنين 13 مايو 2024, 08:09 مساء
عمر الكدي

ذات مرة كنت أتابع محاضرة لأستاذ علم الأديان العراقي خزعل الماجدي على اليوتيوب، وكانت المحاضرة عن الرموز والمنحوتات في حضارة بلاد الرافدين. أشار الماجدي إلى نقش تظهر فيه أفعى وهي تبتلع ذيلها، وقال إن هذا هو رمز الحياة لدى السومريين. كان النقش متقنًا على شكل دائرة، واستغربت كيف يكون رمزًا للحياة وقد بدا لي رمزًا للموت، وأخذت أدرس رمز الأفعى في الحضارات القديمة، ووجدت أنها ترمز إلى معانٍ متضادة في معظم الحضارات، فهي رمز الموت وأيضًا رمز الحياة في نفس الحضارة، وهي رمز الخير وأيضًا رمز الشر.

بعد مدة انتبهت إلى أن الأفعى الدائرية في النقش السومري، والأفعى تبتلع ذيلها تعني دورة الحياة كاملة، فإذا اعتبرنا أن الرأس هو الميلاد فإن الذيل هو الموت، واستنتجت أن الإنسان بمجرد مولده تبدأ الساعة الرملية لموته، فكل دقيقة تمر تقربه من حتفه، واندهشت من قدرة ذلك الفنان المجهول الذي جعل الحياة والموت في نقش واحد مستخدمًا كائنًا واحدًا، ثم تذكرت الثعبان الذي كان يعيش معنا في بيت الحفر في غريان، كنا نعثر على جلده كاملًا بين حجارة مدخل البيت الذي نسميه القوس، فالأفعى رمز في كثير من الحضارات على القدرة على الانبعاث من جديد عن طريق تغيير جلدها.

في كثير من الحضارات ترمز الأفعى لإله الطب والدواء، وحتى الآن لا تزال هناك أفعى تتسلق إناءً زجاجيًّا على مدخل معظم صيدليات العالم، كما توجد على الكثير من الأدوية، حيث يتجاور السم مع الترياق.

في العهد القديم الأفعى شريرة فهي التي تغوي حواء بأكل ثمار الشجرة المحرمة، وحتى الآن لا نعرف ما هي تلك الشجرة، البعض يقول إنها شجرة التفاح والآخر يزعم أنها شجرة التين، بينما يؤكد الثالث بأنها شحرة التوت وهي شجرة المعرفة، بدليل أن آدم وحواء عندما أكلا من ثمار شجرة التوت اكتسبا المعرفة، واكتشفا أنهما عاريان فسترا عورتيهما بورق التوت.

تأثيرات الحضارة البابلية واضح هنا وخاصة في ملحمة جلجامش، فبعد أن يحصل جلجامش على عشبة الخلود، تتسلل حية فتأكل العشبة ويصبح جلجامش، وهو المعادل للجنس البشري، كائنًا فانيًا، بينما تتمتع الأفعى بالخلود، والدليل على ذلك هو تغيير جلدها عدة مرات كل عام، بل وتغير أنيابها وعينيها ولسانها، ولكن الأفاعي تموت في نهاية المطاف فأفعى كوبرا الملك تعيش عشرين سنة بينما تعيش أنواع أخرى من الأفاعي ستين عامًا، ولكنها تستطيع البقاء سنة كاملة من دون طعام، كما أن الثعبان باعتباره من ذوات الدم البارد، يدخل في سبات كل عام طوال الشتاء، وفي سباته تنخفض نبضات القلب وجميع الأجهزة الحيوية، ولكنَّ هناك اعتقادًا راسخًا عند كثير من الناس بأن الأفعى تعيش ألف عام، وربما الذي ساهم في ذلك هو أن الأفعى حتى بعد موتها يظل جسدها يتحرك عدة ساعات، كما أنها قادرة على تعويض ذيلها في فترة قصيرة، ربما هذا ما أوحى لذلك الفنان المجهول بهذا المعنى المزدوج، فقدرة الأفعى على تجديد ذيلها المقطوع، يقابلها عجزها عن تجديد رأسها المقطوع.

نفس الفكرة نجدها في الحضارة المصرية القديمة الغنية بالتماثيل والمجوهرات على شكل ثعابين، حيث اعتقد المصريون القدماء أن الكون محاط بثعبان يقضم ذيله، كرمز لدورة الزمن والتجدد الدائم، وفي العصر البطلمي اعتقد الناس أن الإله آمون اتخذ لنفسه هيئة ثعبان بعد أن خلق نفسه.

أعتقد أن علاقة الإنسان بالثعابين قديمة جدًّا تعود إلى الزمن الذي كان فيه الإنسان يعيش على الأشجار، حيث وجد الغذاء الوفير والأمان من الحيوانات المفترسة التي تتجول تحته، وكان خوفه الشديد من الأفاعي الكبيرة مثل ثعبان البايثون الذي يمكنه تسلق الأشجار، وهو ثعبان عاصر وليس سامًّا ويمكنه بلع إنسان، واحتاج لوقت طويل ليروض خوفه من الثعابين، وتعود على عبادة أي حيوان يخافه، لذلك صوره في هيئة إله وتضرع له بهيئته الثعبانية ليتقي شره، وبعد أن استقر في مستوطنات زراعية اكتشف أن للثعابين فوائدَ فهي تتغذى على القوارض التي تسطو على محاصيله، فرفع الأفعى إلى مكانة مقدسة لأنه عجز عن ترويضها، أما العبرانيون الرعاة فلم يكونوا بحاجة إلى الثعابين فجعلوها رمزًا للشر، وساووا بينها وبين المرأة عندما بدأوا في تجريد المرأة من مكانتها المقدسة، ولكنهم لم يستطيعوا الاستغناء عن المرأة في الإنجاب فاكتفوا بتحقيرها وزعموا أنها خرجت من ضلع آدم، وحتى الآن تشير كلمة حية للأفعى وللحياة مثل حواء واهبة الحياة والنكد.