Atwasat

كابوس

أحمد الفيتوري الثلاثاء 14 مايو 2024, 01:21 مساء
أحمد الفيتوري

غطني نوم، جثامة على صدري، تخبطت كثيراً فاشتد عقالي، كلما أزحت غطائي من جانب أمسك بي من آخر، كثبان تموج خلف كثبان، غيوم سوداء لا أتبين تراكمها أم ليل دامس؟، غرقت في محيط يحيط بالروح، فشاهدت عزرائيل أكثر من مرة يدك أبواب بدني، يد الرفيق ما امتدت لي قطع دابرها صراخ المحقق، من ينبجس من خلال الانفجارات المتتالية.

رعود ومطر وتبروري على بساط الصحراء القاحلة: دار دار، زنقة زنقة، شارع شارع، رؤوس متدلية وأطراف أجساد في ساحة السرايا الحمراء، ووحيدة أعدوا في فيافيها مرعوبة عارية، وجسدي يعكس البرق ما يطاردني حيث وليت وجهي. لم أستطع رؤية ما يحدث لي، فأيادي البحر تشدني إليها فيما أيادي الرمال تنتشلني، غصت في يمّ عرقي. فقال رفيقي هل عاودتك الحمى؟ غمغمت سيان الحب والحرب، عندما تقف تحت قوس ماركوس في ميدان الشهداء بطرابلس الغرب.

انفجار ليس كمثله شيء زلزلني، حيث الصواريخ أخت القنابل ترميها طائرة من بلادي، نيران صديقة تدكني فتساقطت كتبي من الطاولة على السرير دفنت حية، ما أضحك كافكا على غير عادته مني، هو يكتب وأنا أقرأ زبوره، فأخذني تحول كاسح: استيقظ «جريجو سامس» ذات صباح بعد أحلام مزعجة، فوجد نفسه قد تحول في فراشه إلى حشرة هائلة الحجم، كان مستلقيا على ظهره الجامد الذي كان مقسما إلى أجزاء صلبة تشبه الدرع، وعندما رفع رأسه قليلا أمكنه أن يرى الجثة المقببة بنية اللون، مقسمة إلى فصوص جامدة مستديرة.

لم يكن غطاء السرير مستقرا فوقها بعد، في وضعه السابق بل لقد كان على وشك أن ينزلق تماما من فوقها، وسيقانه العديدة التي تبدو رفيعة على نحو بائس لبقية جسمه تبدو مسننة أمام عينيه بصورة منفرة.

تفكر قائلا في نفسه- ما الذي حدث لي. لم يكن الأمر حلما. حجرته، حجرة نوم إنسان عادية إلا أنها تبدو فقط صغيرة للغاية على نحو ما، وكائنة وسط الجدران الأربعة المألوفة، وتعلو المنضدة التي تنتشر فوقها أنواع من الملابس المبعثرة المفكوكة، فقد كان بائعا متجولا، صورة معلقة قطعها أخيرا من إحدى المجلات المصورة ووضعها في إطار رقيق مذهب، فيها سيدة ترتدي قبعة من فراء وقميصا من فراء، جاكتة في وضع معتدل ومادة نحو المتفرج غطاء يد من الفراء، فيما ساعدها كله مختفٍ في داخله.

ثم تحولت عينا جريجور بعد ذلك إلى النافذة، وقد دفعته السماء المعتمة، حيث في مقدور المرء أن يسمع قطرات المطر فوق إطار النافذة، إلى الاكتئاب. فماذا لو استغرق في النوم فترة أخرى قصيرة وتناسى ذلك الهراء كله؟. فكر في ذلك لكن لم يسعه أن يفعله لأنه معتاد أن ينام على جانبه الأيمن، ولم يكن في وسعه أن يستدير وهو في حالته الراهنة، ومهما حاول أن يميل جسمه بالقوة على جانبه الأيمن، كان ينقلب مرة ثانية في كل مرة على ظهره دائما، ولقد قام بهذه المحاولة مئة مرة على الأقل مغلقا عينيه، حتى لا يرى سيقانه المرتعشة، ثم توقف عن المحاولة فقط حينما بدأ يشعر في جانبه بألم لعين خفيف، لم يسبق له أن عانى مثله من قبل.

تقلبت كثيرا على سرير من مسامير مثل ساحر هندي، انتصبت على ظهري، كما لو أني واقفة في بركة من دم وعرق وبول ومخاط، صارخة: لا تتقيأ في وجهي ترهاتك لست حشرة كافكا، يلغو وعلى فمه زبد ورغوة طالعة، فخيل إليَّ أنه مغارة تلتهمني، فيما ريح صرصر حامية تجلب عجاجا يغطيني، أغلقت كل المنافذ ليس من سبيل غير «الفرار إلى جهنم»، التي من على منبر فيها عمني كلام كالعويل: أيتها السافلة اليوم يوم الحساب والصراط المبين.

جلبة واهتياج، جنود مدججون، إجراءات صارمة، بلاغ للساكنة، فئران التجربة، يتوجب عليكم عند سماع صوت انفجار مدوٍ، اخلدوا إلى الأرض، ضعوا رؤوسكم في التراب، ابقوا على ما أنتم عليه إلى حين زوال صوت الانفجار، والأثر الذي تشعرون به. دوي الانفجار، جحيم رعونة نووية حصدتهم، وبقي من بقي على قيد الحياة، زُج بهم في لملمة البذور النباتية ما بعد التجربة الجريمـة، لكل «فأر أو يربوع»، برقبتـه قلادة معدنيـة تيسر فرز الجثث، ما بعد الانفجار والاحتراق، بسطـاء تسلموا القـلادة وهم يبتسمـون، يقطنـون أطراف الصحـراء، قلـة ويمكن الأنفراد بهم، لا يعلمون ماذا يُصنـع بهم، ولن يعرفـوا، تلك هـي «رقان».

لم نكن نفهم حتى لغته، لكننا شعرنا من خلال ما استطعنا إدراكه من كلام بعض العسكريين، أن هناك خطرا سيُداهم الجميع، ولا زلنا نتذكر دموع بعض الجنود، التي لم نفهم ما سر ذرفهم لها، إلا بعد حين من الزمن. لحظة الواقعة سمعنا صفارات الإنذار، انبطحنا أرضا ووضعنا أيدينا على أعيننا المغلقة، ورغم ذلك رأينا ضوءا أبيض قوي الإشعاع تبعه صوت انفجار قوي، بعد حوالي خمس دقائق فقط، وكان قويا، وكأن الأرض تتكلم زلزالا كبيرا، بعده انتكست الأشجار، ولدت الحيوانات من غير موعد، رمى الدجاج بيضهُ،... امرأة وضعت مولودها لحظة الانفجار دون أن تشعر بذلك، استفاقت من الصدمة، وطفلها موجود بسروالها.

وصار يُدعى بعدها بـ«القنبلة»، و اسمه الحقيقي «سماني عبد الله سكوبيدو»...]. المحقق من زعم أنه من إقليم فزان زعم أيضا أنه ابن «القنبلة»، أثناء التحقيق أخذ يترجم لي من كتاب، قال أن عنوانه «صرخة الصحراء» وأن مؤلفه «عابد الفيتوري». ثم وكد:[... لن أسامح فرنسا ما عشت، وما عاش جيلنـا، والأجيال التي تليـه، قدر الألم الذي خلفتـه لنا، لقد سممت حياتنـا ومحيطنـا، لوثت أرضنـا، خلفت لنا الأمراض المستعصيـة، التي كلفتنا الطواف على مصحـات، ومستشفيـات العالم، بحثـا عن علاج، العـاهـات العقلية، التشوهـات الخلقيـة، أفقـرت الأرض، سممت الميـاه، قضت على الثروات الطبيعيـة والحيوانيـة، لإقليـم «رقان» الصحراوي، أصبح المكان أرضاً مقفرة، جدب وقحط، وفي كل عـام، يزداد الألـم، وتتسع هوة المسافـة لجبـر الضرر].