Atwasat

العالم في المضيق!

سالم الهنداوي الخميس 21 مايو 2026, 12:33 مساء
سالم الهنداوي

اتخذ قرار الحرب على «إيران» منفرداً لينتصر مع رضيعته الشيطانة «إسرائيل» في أيام معدودات، فخسر الحرب التي استنزفت الذخيرة والعزيمة، ودخل التفاوض مُجبراً بأوراق الضغط القديمة - الجديدة، وقف البرنامج النووي والباليستي وتسليم «اليورانيوم» المخصّب، ثم يأتي فتح «المضيق» قبل رفع الحصار على الموانئ.. ومن ثمّ النظر في العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران منذ عهد الرئيس «أوباما».

هذه الأوراق «القديمة الجديدة» كانت كافية لمناورات التفاوض عبر وسيط، دون اللجوء أصلاً للحرب التي قتلت «المرشد» ولم تقتل العقيدة القتالية لدى الإيرانيين، ولا كسرت إرادة القرار السياسي في مفاوضات «إسلام أباد». ولقد كان لغلق «مضيق هرمز» الانتصار الأكبر لإيران في الحرب، ليأتي الحصار الأميركي على موانئها ضاغطاً على العالم قبل إيران.. وإذا كان العالم قد تأثر بانحباس الملاحة في المضيق، فإن فرص السلام لن تكون متاحة بسبب تعنّت «ترامب» وأكاذيبه وتصريحاته المستفزّة للإيرانيين!

إن احتدام المواقف السياسية وفرض الإرادات التفاوضية بين «واشنطن» و«طهران» قد يقلب موازين الاقتصادات العالمية، خاصة وقد بدأت أوروبا وآسيا وأستراليا في استشعار الخطر القادم نتيجة توقف إمدادات النفط وقرب نفاد مخزوناته لدى بعض الدول، إضافة إلى ارتفاع أسعار السوق وشحّ الصادرات في التجارة العالمية. وهذه المخاطر لن تنهيها تهديدات «ترامب» بضربات جديدة، ولا بفرض إرادات الغطرسة الأميركية على دولة «عقائدية» قد تنكسر ولكنّها لن تنهزم أمام تهديدات القوة.. فالعالم الذي عاش لعقودٍ تحت وهم السيطرة الأميركية المُطلقة على البحار والممرات الاستراتيجية، بدأ يكتشف هشاشة النظام الدولي أمام «عنق زجاجة» صغير يمكنه أن يخنق الاقتصاد العالمي في أيامٍ قليلة. فـ«مضيق هرمز» لم يعُد مجرّد ممرٍ مائي تعبر منه ناقلات النفط والبضائع، وإنما تحوّل إلى ورقة «جيوسياسية» تعيد رسم موازين القوى بين الشرق والغرب، وتكشف حدود النفوذ الأميركي في زمن الحروب غير التقليدية!

أمام هذه المضاربات المصلحية أدركت الصين، وهي المستهلك الأكبر للنفط الإيراني والخليجي، أن أي مواجهة طويلة في الخليج تعني شللاً تدريجياً لاقتصادها الصناعي العملاق، كما فهمت أوروبا أن بدائل الطاقة التي بشّرت بها طويلاً، ما تزال عاجزة عن حماية القارة من برد السياسة ولهيب الأسواق. أما روسيا، فقد وجدت في الأزمة فرصة تاريخية لإعادة تشكيل سوق الطاقة العالمية واستنزاف خصومها الغربيين بحرب أسعار وإمدادات طويلة النفس!

لا شك أنه في خضم هذا الارتباك الدولي تبدو «إيران» وكأنها تخوض معركتها بعقلية «الدولة العقائدية» لا بعقلية الدولة التقليدية؛ فهي لا تقيس الخسائر بمنطق الاقتصاد وحده، بل بمنطق «الصمود التاريخي» الذي تأسّس عليه النظام العقائدي في العام 1979 وتشكّل منذ الحرب العراقية - الإيرانية، وترسّخ عبر عقود الحصار والاغتيالات والعقوبات. ولهذا فإن إسقاط مثل هذا النظام بالقصف، أو إخضاع شعبه بالتجويع، لم يعُد وصفة ناجحة في «الشرق» الذي تعلّم من حروبه الطويلة كيف يحوّل الألم إلى عقيدة مقاومة!

ربما كانت المعضلة الكبرى في «واشنطن» أنها ما تزال تقرأ الشرق بعقلية الجنرال المنتصر في الحرب الباردة، بينما تغيّر العالم كثيراً، وتغيّرت معه خرائط النفوذ والقوة.. فالحروب الحديثة لم تعُد تُحسم فقط بالطائرات والصواريخ، وإنما بقدرة الدول على المواجهة وإدارة التحكُّم باستنزاف الخصوم اقتصادياً ونفسياً وسياسياً.. ولذلك، فإن أخطر ما في هذه الحرب ليس عدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا حجم الدمار الذي خلّفته، وإنما انتقال العالم إلى مرحلة «الخوف من المضائق».. فحين يصبح شريان النفط العالمي رهينة التوتر السياسي، تصبح الأسواق رهينة الذعر، وتصبح الدول الكبرى عاجزة عن طمأنة شعوبها، مهما امتلكت من أساطيل وقواعد عسكرية هُنا وهناك.

لقد دخل العالم فعلاً زمن «الحصار المتبادل»، حيث تستطيع دولة محاصَرة أن تحاصر العالم معها، وأن تجعل من البحر سلاحاً أشد فتكاً من الجيوش. وهنا تكمن المفارقة الكبرى في أن القوة التي جاءت لإخضاع «إيران»، قد تجد نفسها مضطرة في النهاية للتفاوض معها، لا دفاعاً عن أمن الخليج فقط، وإنما دفاعاً عن اقتصاد العالم كلّه. ومن هنا فالأيام القادمة لا تبدو متّجهة نحو حربٍ شاملة بقدر ما تسير نحو «استنزافٍ عالمي» طويل، تُستخدم فيه المضائق والطاقة والأسواق كساحات قتال موازية للجبهات العسكرية، إذ تدرك «واشنطن» أن أي مواجهة مفتوحة قد تُشعل الخليج كلّه، وتدفع أسعار النفط إلى مستويات جنونية تهدّد الاقتصاد الأميركي نفسه، بينما تدرك «طهران» أن استمرار إغلاق «هرمز» لفترة طويلة قد يستفزّ العالم ضدّها، ويمنح خصومها مبرّرات لتوسيع الحرب دولياً. ولهذا، قد تتّجه المرحلة المقبلة إلى سياسة «حافة الهاوية» بأن لا حرب تنتهي، ولا سلام يولد، بل هجمات محدودة، وضربات محسوبة، ورسائل نارية متبادلة، يقابلها تفاوض سرّي عبر الوسطاء، في محاولة لانتزاع أكبر قدر من المكاسب بأقل قدر من الانفجار الكبير. غير أن الخطورة الحقيقية تكمن في «الخطأ العسكري» أو «القرار الانفعالي»، فطلقة واحدة في سماء الخليج قد تفتح أبواب مواجهة لا يستطيع أحد إغلاقها.. كما أن استمرار الأزمة سوف يدفع القوى الكبرى إلى إعادة رسم خرائط الطاقة والتجارة العالمية، وقد نشهد تسارعاً غير مسبوق نحو بدائل النفط الخليجي، وسباقاً دولياً للسيطرة على الممرّات البحرية الآمنة، في وقتٍ ستزداد فيه أهمية الصين وروسيا كقوتين قادرتين على استثمار الفوضى الدولية لصالح مشروع عالم متعدِّد الأقطاب.. وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: من سينتصر في الحرب؟ بل: أيُّ عالمٍ سيخرج من تحت ركامها؟ لأن ما يجري في الخليج لم يعُد نزاعاً إقليمياً عابراً، وإنما لحظة تحوّل تاريخية قد تعيد تشكيل النظام الدولي كلّه، وتُنهي عملياً عصر الهيمنة الأميركية المنفردة على القرار العالمي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»