في أحد كتبه، يتحدث روجيه غارودي عما يسميه «النمو الوحشي»، ويقصد به تناقص الاعتماد على وسائل المواصلات العامة وزيادته على السيارات الخاصة، مبينًا خطر ذلك على البيئة، ويقول إن مكان شخص من مجموع مساحة سيارة خاصة يعادل ثلاثة عشر كرسيًا في وسيلة مواصلات عامة!. ويقول إن هذا النمو الوحشي قد ينفجر في طفرة مفاجئة، ويضرب مثلًا بنبات مائي معين يغطي حوضًا مائيًا بمساحة معينة في ثلاثين يومًا، فكم يومًا يحتاج لتغطية نصف الحوض، ويقول إن الإجابة ستكون مرعبة، هذا النبات يغطي نصف مساحة الحوض في اليوم التاسع والعشرين! يعني أنه يستكمل تغطية نصف المساحة الباقي في اليوم الثلاثين!
تذكرت هذا بعد أن قرأت مقال مفتاح العماري «أربع صور شمسية»* المنشور الثلاثاء الماضي بـ«بوابة الوسط»، الذي يركز فيه على غياب وسائل المواصلات العامة في ليبيا واعتماد المواطنين الليبيين على السيارات الخاصة، «وكأن الدولة الليبية تفترض قدرة جميع الليبيين على امتلاك سيارات خاصة، وتثق تمامًا في قدرتهم البيولوجية والنفسية على خوض معترك الزحام، في مدن باتت شوارعها تختنق من تكدس سيارات الخردة؛ لتسجل أرقامًا قياسية عالمية، تضع ليبيا في مقدمة الدول الأكثر استيرادًا للعربات المستعملة، ناهيك عن إحصائيات ضحايا حوادث المرور، التي تفوقت على قتلى حروب الربيع».
وأذكر أنني كنت مرة في تونس أشتري شيئًا من محل، فقال لي صاحب المحل: لماذا يمتلك جميع الليبيين سيارات خاصة «حتى اللي يعمل في المرمة»**.
صاحب المحل كان يعتقد، بالطبع، أن الليبيين يعيشون في هناءة ورغد، ولا يعلم حقيقة الحال.
ويشير مفتاح إلى أن «وجود شبكة نقل عامة متنوعة ومنتظمة داخل المدن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بانتظام وتطور القدرة الإنتاجية للبلاد، باعتبارها، أي شبكة النقل والمواصلات العامة، من أهم الأولويات الاستراتيجية للتنمية الشاملة، بما فيها تنمية الموارد البشرية. وأن أي خلل في هكذا منظومة سينعكس سلبًا على القدرة الإنتاجية، ويسهم من ثم في خلق تجمعات عشوائية».
وبالفعل، كنت كثيرًا ما أرى في الطريق تلاميذ وطلبة يستوقفون السيارات العابرة بغية مساعدتهم في الوصول إلى مدارسهم. لا بد أنهم كانوا يتأخرون، قليلًا أو كثيرًا، عن موعد بداية الحصص، كما أنهم يتأخرون في العودة إلى بيوتهم. فبأي روح أو معنويات يقبل هؤلاء على الدراسة؟!
هذا مساس بالتعليم، وبالتالي فهو إضعاف لـ«تنمية الموارد البشرية».
*https://alwasat.ly/news/opinions/517977?author=1
** عمل البناء العادي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات