Atwasat

تغيّر السروج راحة للفرسان الشجعان

ناجي جمعة بركات الثلاثاء 28 أبريل 2026, 05:46 مساء
ناجي جمعة بركات

في ليبيا التي تعبت من الوقوف على قدمٍ واحدة، تتبدّل السروج كل حين، لكن الخيول نفسها تلهث، والفرسان أنفسهم يلوّحون ببنادقهم وخطبهم ذاتها، كأن الزمن توقّف عند أول صرخة وأول طلقة. لا أحد يسأل: لماذا نركض؟ ومن نطارد؟ ومن يطاردنا؟ فقط نركض… لأن الركض صار قدراً، أو هكذا أقنعونا بأن الأرض ومن عليها لهم.

الصراع هنا ليس مجرد خلاف على سلطة أو حدود؛ بل هو تراكم طويل من الخوف وسوء الفهم، والذاكرة المثقلة بالخسارات. كل طرف يرى نفسه ضحية، وكل طرف يكتب تاريخه بمداد الألم، وينسى أن الآخر يفعل الشيء نفسه. هكذا تتحوّل البلاد إلى مرآة مكسورة، كل شظية تعكس وجهاً مختلفاً، لكنها في النهاية تعكس الانكسار ذاته، وتُظهر الوجوه الحقيقية لمن في السلطة.

أما الذين تغنّوا بالصراع على السلطة، فقد وجدوا فيه موسيقاهم الخاصة. منهم من يصفّق من بعيد، ومنهم من يرقص على حافة النار ومنهم من هو مشغول بالفساد. شعارات تُرفع، وخطابات تُلقى، وكلمات كبيرة بحجم الوطن، لكنها غالباً بلا روح، بلا طريق، ومظلمة في عدة محطات؛ كأن الصراع صار مسرحاً، والجميع يريد دور البطولة، حتى لو كان النص مأساوياً، والنهاية معروفة، بأن إدارة الصراع أصبحت كلمات لا يستمع لها العم سام أو رعاة الأمن في العالم.

ثم تأتي الدول… بوجوه متعددة، تضع أولوياتها في ظروف مغلقة. تدخل تحت عناوين براقة: حماية، دعم، استقرار، تنمية، ووساطة وفضّ النزاع. لكنها في كثير من الأحيان تزيد الطين بلّة، وتحوّل الصراع المحلي إلى رقعة شطرنج كبيرة، يتحرك فيها اللاعبون الكبار، بينما تبقى القطع الصغيرة ـ وهم الناس ـ تُزاح ويُضحّى بها بلا تردّد. هكذا يصبح القرار بعيداً عن ليبيا ويصاغ في دهاليز ومكاتب خارج الوطن، ويضيع الصوت الحقيقي بين ضجيج المصالح الهامة لهذه الدول.

لكن الحقيقة التي يحاول الكثيرون تجاهلها، أو ربما يخافون منها، هي أن التغيير لا يأتي من الخارج. لا طائرة تحمله، ولا سفينة ترسو به على الشواطئ، ولا صاروخ ينفجر به، ولا بندقية تُصوَّب لإحداثه. التغيير يولد من الداخل، من الناس أنفسهم، من لحظة صمت صادقة يسألون فيها: ماذا نريد حقاً؟ ومن شجاعة الاعتراف بأن استمرار هذا الطريق لن يقود إلا إلى مزيد من ضياع الوطن وضياع الأجيال.

إلى الليبيين… أنتم لستم مجرد متفرجين في حكاية تُكتب عنكم. أنتم الكُتّاب الحقيقيون، حتى وإن سُرقت منكم الأقلام أحياناً. التغيير يبدأ بخطوة صغيرة: بكلمة عقل، بموقف يرفض الكراهية والفساد وتقاسم الموارد، بإصرار على أن الوطن أكبر من أي فصيل، وأن الوطن ليس قطعة نحاسية تضعها في جيبك. الوطن هو عزة وكرامة وتضحيات.

وإلى الشباب… أنتم عماد المستقبل، وربما آخر ما تبقّى من الأمل لليبيا. لا تدعوا اليأس يقنعكم بأن كل شيء انتهى. ما زال في الإمكان شيء يُفعل، وما زالت ليبيا تستحق أن تحلموا بها كما يجب، لا كما تُرسم لكم. لا تورّثوا أبناءكم الخوف نفسه، ولا تبيعوه للأجنبي، ولا الحكايات نفسها عن الحرب. اكتبوا حكاية مختلفة، حتى لو بدأتموها بجملة واحدة فقط: «تعش ليبيا دولة موحدة».

لكن لا بد من قول الحقيقة كما هي، دون تزيين: الوضع في ليبيا مأساوي من جميع النواحي. اقتصاد يئن، وخدمات تتداعى، ونفوس أنهكها القلق والانتظار وأمن ضعيف وحدود مفتوحة لكل من هب ودب. مدن تتعب بصمت، وأمهات يُخفين دموعهن، وأطفال يكبرون أسرع مما ينبغي. هذا ليس قدراً محتوماً، لكنه أيضاً ليس أمراً يمكن تجاهله أو تأجيله، وكلما طال الوقت فلكم في ثماني عشرة واثنتين وأربعين سنة وخمس عشرة مقالة تغير السروج عبرة.

تغيّرت السروج كثيراً… لكن الوقت حان ليتغيّر الفرسان. الفرسان موجودون في شباب ليبيا وخبرة السياسيين الحقيقيين، وليس اللصوص؛ أو على الأقل ليتعلّموا أن الطريق لا يُختصر بالبنادق وبيع الأوهام ووضع طوبة هنا وطوبة هناك، بل بالعقول والقلوب التي لم تتعب بعد من الحلم.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»