عمر الككلي ليس مشغولا بالدلالة التي لا يفرط بها، لكنه يكتب نصه المفارق، لذا فهو ملزم بالدال قبل المدلول، ما لا فصام بينهما أصلا، وبالتالي فليس ثمة أي أسلوب نمطي، ولا نظرية في السردية، فنصوص الككلي تجوب الآفاق تنشغل بالهامشي، والتفاصيل كما بالكلي والسرديات الكبرى.
مثل أنه يكتب نصوصا تدين القمع وتعسف السلطة، أو تفضح الادعاء والتملق، وفي هذا فإن النصوص تؤشر ولا تفصل، مثلا في نص يؤشر إلى انعدام الحريات دون إسهاب وإطناب:
[- قصة: صناعة محلية
دخل محلا لبيع القرطاسية والأدوات المكتبية. كان يريد كراسة أوراقها بأربعة هوامش: اثنان: واحد في أعلاها والثاني في أسفلها، واثنان: واحد على اليمين والآخر على اليسار، وكان الهامشان الأخيران الأهم لديه.
- ليس عندنا كراسات صناعة أجنبية.
ثم رمى أمامه بواحدة :
- لدينا فقط هذا النوع. به هامش واحد على اليمين.
لم يفحص الكراسة، وفكر فى الانصراف. لكن خطر له أن هامشا واحدا قد يكفي، فهو سيكون على يمين وجه الورقة التي ستكون شفافيتها كافية لتعويض الهامش الآخر، الذي ينبغي أن يكون على اليسار، بالهامش الموجود على يمين ظهرها.
أعجبته نباهته، وأحب أن يصوغ ذلك في قاعدة عامة:
إذا توفر هامش وقليل من الشفافية، يمكن التحايل لتعويض الآخر.
ارتضى هذه النتيجة، وأخذ الكراسة دون أن يفحصها، فهو محتاج، في جميع الأحوال، إلى ورق للكتابة.
عندما جلس وفتح الكراسة للكتابة تبين أنه لايوجد بها أي هامش .
..إطلاقا.]
وهكذا نص لا حواشي أو زوائد فيه، ولا تفاسير أو شروح كما كل نصوص عمر الككلي، التي تتميز بالسخرية الماكرة المدسوسة كما السم في الدسم. والناقد نور الدين النمر يقول حول المجموعة القصصية «صناعة محلية»: «يمكن تعريف القصص المنشورة في «صناعة محلية»، بأن أسلوبها هو مضمونها المتمحور حول شخصية الكاتب المنتحل دور ساردها. وبذلك تكون قد أعادت تكريس الككلي أن يكون كاتب القصة الليبية، المتجاوز لكل ما كتب من قصص في عشرية تغييبه سجناً في المعتقل السياسي».
وإننا نترسم كتابة تتجاوز منجزها، كتابة تؤكد أن البنية السردية سياقها واحد، لكن ما يؤكد أن كل نص في تقاطع مع غيره من نصوص، كما لو كان الككلي يكتب نصا طويلا لكن عبر نصوص متعددة، وهكذا سياق هو نحت دؤوب، من أجل ألا يكون هو في أي نص، أو مرحلة كتابة من تعدد مراحله، وقد كنا أشرنا إلى نهر هيراقليطس.
وفي مجموعة «سجنيات» كتب «رقصة تجديد الهواء»: «في الصيف حين يأسن الهواء في الزنزانة، ممتلئا بروائح الأنفاس والعرق، ويثقل التنفس، قليلاً، وكدر النفوس يزداد، ينهض اثنان ممن في الزنزانة، يمسكان فيما بينهما ملاءة بيضاء ككفن الميت، وراية المستسلم، ومعاطف الممرضين والأطباء، وثوب العروس، يأخذان بهزها، كما لو كانا ينفضان ما علق بها من غبار، كنت أظل أراقب حين لا أكون أحد المهويين، ونادرا ما أكون، ارتفاع الملاءة وتموجها، مستمتعا بلطافة ما تحدثه رفرفتها من نسيم، وكثيرا ما كنت أقول في نفسي: إذ ما حدث وأن خرجت من هنا، فسوف أقترح على مصمم رقصات تصميم رقصة باسم: رقصة تجديد الهواء، وأخرى باسم: الطائر المقيد، والثمرة المعلقة».
وهذه السجنيات اقتناص ماهر واستثنائي، لطيور خارج سرب الفضاء السجني الاعتيادي، فالأحداث مفارقة في بساطتها، مثل هذه الرقصة، ما تجعل الراوي يقول لنفسه، إنه سيقترحها - إن خرج من السجن- على مصمم رقص ويقترح اسماً لها.
لقد نسجت هذه المجموعة قماشة مفارقة لمسرود السجن حتى باتت سردية خصوصية ولا مثيل لها حتى في مخيلتنا عن السجن، المفارقة أن الككلي سردها في سياق، فـ«رقصة تجديد الهواء» نسبها لرفيقيه أحمد الفيتوري ومحمد العدل من أهداهما إياها.
وقد كتبت خلود الفلاح: «في كتابه «سِجْنيّات» لا يرهق، القاص والمترجم الليبي عمر أبوالقاسم الككلي القارئ، بتاريخه الشخصي داخل زنزانة، قضى بين جدرانها ما يقارب العشر سنوات، ولكنه يثير فضوله لمتابعة الصفحات القادمة من كتاب، يروي تجارب إنسانية عدة لرفاق تلك الزنزانة.
الكتاب صدر عن دار الفرجاني في طبعته الأولى، لوحة الغلاف للتشكيلي الليبي محمد بن لامين. يتألف سِجْنيّات من «48» نصاً تنتمي لعدة فنون إبداعية، يمكن تسميتها سيرة ذاتية أو يوميات، أو قصص، ولكن الكاتب عمر الككلي وصفها في تقديمه للكتاب «نصوص سردية، لحمتها جماليات الكتابة القصصية. وسداها ذكريات وأخبار، مثقلة ببشاعة الواقع، ومتوقدة في المحنة ذاتها، بإرادة مقاومة هذه البشاعة».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات