Atwasat

ابن الطيب عن شخصية وطنية بحجم مرافعة العكّاز والقلم! (1-2 )

ناصر الدعيسي الثلاثاء 28 أبريل 2026, 01:46 مساء
ناصر الدعيسي

حين تكتب عن شخصية وطنية بحجم ومكانة الشاعر والأديب والدبوماسي إدريس بن الطيب تشعر بحجم المسؤولية عن نصك الذي يتناول هذا الرجل الذي عاش تجربة مثيرة جدا في حياته من نعومة أظافره. تجربة عميقة قدمتها زوجته السيدة خيرية حفالش في كتاب أخيرا بعنوان «ابن الطيب مرافعة العكّاز والقلم» «1» جهد توثيقي لأحد مبدعي الوطن الذين كان لهم موقف سياسي من قضايا وطنية، جهد كبير جمعت فيه المواد الأدبية والمقالات والأشعار والمواقف، وقد وثقت بهذه الجهود حياة أديب وشاعر ومناضل سياسي له مكانته ودوره في الحركة الأدبية وأيضا الحركة الوطنية الليبية، عاش ابن الطيب السجن والمنفى والمواجهات الساخنة زمن الدولة العميقة.

وكأن التاريخ يعيد نفسه حينما بدأ نشر ديوانه «مرافعة السيوف» تواصلنا معا فقال لي أريدك أن تكتب مقدمة ديواني قلت له أنا صحفي، هناك شعراء وأدباء يمكنهم ذلك. لكنه أصر على ذلك كتبت المقدمة ويومها كنت رئيسا للجنة الكتاب في مجلس الثقافة العام وصدر من تلك اللجنة مئة إصدار وأيضا مئة لوحة تشكيلية لفنانين من ليبيا كل كتاب عليه لوحة. وستظل تلك المبادرة تاريخية في حركة الثقافة الليبية.

لم تحظ مقدمتي بالتواجد في الديوان، وحقيقة لم أعرف لماذا حُجبت؟ هل لأني رئيس لجنة الكتاب أم هناك رأي في الديوان بسبب أن ابن الطيب له خصوماته مع النظام ولجانه الثورية. وللتاريخ فإن كثيرا من سجناء الرأي من مثقفين تمت طباعة إصداراتهم من قبل مجلس الثقافة العام دون اعتراض من أى جهة كانت.

ابن الطيب عالم مملوء بقيم ونبل ترعرعت في واحة الجغبوب في المدرسة السنوسية البهية ورغم التغيرات الكبيرة التي طرأت على حياته سياسيا وثقافيا فيما بعد لكن ظلت تلك المدرسة تبرز كلما لاح في الأفق شيء يستدعي موقفا ما. كان ابن بيئته كما يقولون.

وكانت سمات تلك التجربة الصوفية لم تتلاش داخله بل شكلت حلقة صلبة في حياته، حيث جينات العنيد طغت على الكثير في علاقاته ونمت في عقله مدارك عدة عُرف بها في مواجهاته مع الآخرين، ابن الطيب دائما وجه آخر لبطل رواية سرفانتس «دون كيشوت» «2» سانشو بانزا الذي امتلك الصلابة والقوة من تجربته مع دون كيشوت الذى تبنّى محاربة الظلم ونشر الفضيلة والنبل - وفي السجن وإلى جانب ظروفه الصحية الصعبة برزت أوداج هذه التجربة بكل ما فيها من جراح وعذابات وألم الزنازين الباردة.

عرفته مبكرا في بداية السبعينيات كنت أنشر مقالاتي فى صحيفة الأسبوع الثقافي زمن الأستاذ والوزير عبد الرحمن شلقم والذي من هذه الصحيفة التي ظلت صوتا للعديد من المثقفين على اختلاف مشاربهم السياسية تعرض بعض المثقفين للسجن بتهم باطلة وأنهم يسار متطرف يسعى لزعزعة النظام.

بعد الخروج من السجن بدأت مرحلة أخرى لابن الطيب مرحلة المراجعة النقدية، كان قارئا جيدا سياسيا عرف أن المحير ليس خراب البلاد إنما الوعي بهذه الكارثة التي أُصبنا بها، وأن الوطن أصبح بلا ذاكرة في ظل دولة ممزقة عميقة ملتهبة الأركان، لقد أصبحت لديه قناعة بأنه لا يمكن تأسيس دولة من فراغ وكلانا كنا على يقين بأن الدولة مجموعة معقدة من التراكمات والندوب الموغرة وطنيا، وهو ناتج ثقافة القطيعة التي حرمتنا من التنوع والرأي والرأى الآخر، وحتى ثقافة الاختلاف.

ناهيك عن غياب رأى عام، وهذه هي أجندة ابن الطيب التراكمية فهو كوزموبولتيانية استشرافي ليس ضيق الأفق سياسيا شامل لا يستثني الثقافات الأخرى بل تعلم لغاتها كي يدخل خاصرتها.

كان جزء من مشروعه الفكري هذا العالم المفتوح وهو خيار غسان كنفاني «3» في الثورة الفلسطينية حينما طرح الأممية النضالية. أتذكر آخر حوار طويل جرى بيننا في مكتبه في القاهرة في مبنى المندوبية الليبية، كان ينتظر تقاعده لأنه سئم العمل الخارجى، وبسبب الرتابة السائدة في السفارات بعد انتفاضة فبراير.

كان يتبنى رؤية أن اليقينيات تتساقط تباعا في نهر السباحة فيه مرتين محرمة. لهذا كانت منهجيته السياسية والأدبية معا هو الخروج من هذه التابوهات التى جثمت على العقول كثيرا كي نملك مجتمعا ووعيا جديدين ونتحرر من هذه الحلقة البائسة.

نصه الشعري كان موجعا لأنه وجه آخر لتجربته السياسية والفكرية، حينما يُسقط تجربته على نصه الذي يصبح كالنصل في أحيان كثيرة حتى يقتلع جذور الردة في الأمة. في قوافي أشعاره سمات مهيبة ومنها أن الأشياء الضئيلة هي التي تولد الرهبة وأن الأشياء العابرة تخليق كي يرفع الشاعر سقف مطلبه للحرية ورفض الاضطهاد والقمع . ظل نصه الشعري صوتا مغايرا لكل الأصوات في المشهد الأدبي، وحدة موضوعية واحدة لم يُغلق مفاتيح رؤيته لأن عمقها قيمة حقيقية، تعبير صارخ عن ظلم ساد أو بحث عن حرية لم يُطرق بابها بعد.

القضية الجادة في شعره هي التحول من الوجود الذاتي للوجود الجمعي، استفز الواقع حينما تحرش بتداعياته، ونسف التتابع الزمني عندما أيقظ داخلنا البوح المتنامي. قرأت قصيدة الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف «4» الشيوعى الأخير حيث يقول: النبى التائه يأخذ وردة الثلج، ورايته الحمراء. كأن ابن الطيب في تراتبيات هذه القصيدة وهي ليست توطئة ليساري متطرف بل روح تنتفض في جسد أرهقته سنوات الجمر طويلا لكنه مغامر بطبعه عاشق للانعتاق وميادين النور.

كان ابن الطيب مرهفا وداخله شوق للحياة التي أرادها الله للبشر محبة الناس فكان كلما هزه هذا الشوق ذهب لذلك العود كي تنتفض أوتاره معلنة أنه لا خيار فى الدنيا سوى خيار الوطن - لهذا كانت قصائده دافئة كأحلام الشلطامي والبياتي «5» في أوطان بها كرامة الإنسان وفيها الحرية. ومع هذه الشفافية والتسامح لم يتنازل لأحد لا نظام أو حاكم كان العنيد حقا صاحب موقف صلب وجريء ودفع ثمنه في السجن. الذين واجهوا ابن الطيب رسبوا في الامتحان.

ولم يكن لهم دور ثان. حاولوا فك طلاسم سحر صلابته لكنهم فقدوا توازنهم يوم اختاروا له الزنزانة المظلمة - الرجل لم يكن محطة عابرة لإنسان، ولم يكن شعره نزوة بل قضية وطن، وأيضا مشروعه السياسي والفكري لم يكن «شو ثقافي» بل رؤية لحلم بعيد. كان شاهد عصر على الذي جرى طيلت نصف قرن ونيف، فمقالاته وأشعاره والنقد الذي عرِف به كان مناكفة لتلك الدولة الشمولية التي عاصرها وواجه بيادقها في ساحات مختلفة - الرجل كان استثناء. وغادر استثناء وسيظل مكانه شاغرا طويلا. حتى يأتى استثناء آخر.

ابن الطيب. مثله في ليبيا كمثل عمر شنيب والباروني ستتأخر ليبيا كثيرا عن وضع عرجون البلح على قبره.

------ --------
1- كتاب مرافعة العكازوالقلم . إدريس بن الطيب- دار الوليد طرابلس . الطبعة الأولى . 172 ورقة
2- رواية إسبانية ميغيل سرفانتس. 3 -شاعرفلسطينى. 4ـ شعراء من ليبيا والعراق.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»