Atwasat

إيران وفلسطين الماضي والمستقبل

ميلاد عمر المزوغي الثلاثاء 31 مارس 2026, 09:29 مساء
ميلاد عمر المزوغي

إيران، أو ما كان يُعرف بفارس، شكّلت، والروم، أهم قوتين في العالم القديم، وكانت العلاقة بينهما بين كرٍّ وفرّ، يتقاتلان على مناطق النفوذ. ولا شك أن بلاد العرب كانت المنطقة الرئيسية لتلك المعارك، ونخصّ منها بالذكر أرض فلسطين التي تمثل قلب المنطقة، وقد انتُكبت بعدة مصائب من قبل القوى الكبرى آنذاك، لأنها معبر في كل الاتجاهات.

وعودةً إلى البدء، فإن الفرس، بقيادة إمبراطورهم قورش الثاني، استطاعوا طرد البابليين منها عام 539 ق.م، واستمر ملكهم لما يقرب من قرنين. وتقول المصادر إن الفرس هم الذين أعادوا اليهود الذين سباهم البابليون إلى أرض فلسطين، وسمحوا لهم بإعادة بناء الهيكل. كما استعاد الفرس السيطرة على فلسطين في العشرين من مايو عام 614م في عهد ملكهم كسرى.

تلك نبذة مختصرة عن علاقات فلسطين بإيران في العصور الأولى. وإلى عهد قريب، كانت علاقة الشاه بدولة إسرائيل جيدة جدًا، وسرعان ما انقطعت عقب ثورة الخميني، الذي أقام علاقات دبلوماسية مع الفلسطينيين، ودعاهم إلى تحرير أرضهم، وخاصة بيت المقدس، وساعدهم في المحافل الدولية للتعريف بقضيتهم من أجل إقامة دولتهم.

الإيرانيون، بعد الثورة، وقفوا بقوة إلى جانب فلسطين، وأمدّوا الفصائل الفلسطينية المقاتلة بالمال والسلاح، رغم أن هؤلاء محاصرون من قبل بني جلدتهم العرب، وأن الشعب الفلسطيني شعب سنّي بمجمله. فلماذا هذا الوقوف المحفوف بالمخاطر إلى جانب الفلسطينيين؟

البعض منا ينظر إلى الشيعة عندما يضربون أنفسهم بالسلاسل وينزفون دمًا في ذكرى مقتل الحسين على أنه نوع من الشعوذة، لكن العرب فاتهم أن الشيعة عندما يقومون بذلك فإنما هو تجسيد للتضحية بالنفس في سبيل الغير، وتكفيرًا عن الذنب الذي ارتكبه أسلافهم، ولا أبالغ إن قلت: أسلافنا، في خذلان الحسين في كربلاء.

يكفي أن الخميني ومن معه قاتلوا بكل ضراوة للدفاع عن أرضهم إبان الحرب التي فُرضت عليهم في بداية ثورتهم، وقدموا الآلاف من القتلى. وكانوا، عندما يريدون الهجوم على منطقة ما، يعلنون ذلك صراحة لتجنب قتل المدنيين. كما ساعد الإيرانيون الشيعة في جنوب لبنان لرفع الظلم عنهم، حيث إن حكومتهم لم تفعل شيئًا، وكذلك بقية العرب السنّة. وقد استطاع هؤلاء الشيعة استرداد أرضهم المغتصبة بقوة السلاح، وتقديم آلاف الشهداء، وإحداث معادلة توازن الرعب مع العدو.

أليس عارًا على العرب السنّة مجتمعين أن يعجزوا عن فعل ما يفعله الشيعة القليلون عددًا؟ لقد غرس الخميني ومن جاء بعده روح التضحية والفداء من أجل الأرض والدين، بينما العرب، والسنّة منهم على وجه الخصوص، لم يستطيعوا تحرير أي جزء من أراضيهم المحتلة، ولم يحرروا بيت المقدس من براثن العدو طوال العقود الستة الماضية. فهل يفعلها الشيعة بقيادة إيران، ويتحرر بيت المقدس ويُصلّى فيه؟

الإيرانيون، أو كما يحلو لبعض العرب تسميتهم بالمجوس عبدة النار، وكأنهم لم يدخلوا في الدين الإسلامي، بل يُنعتون بأنهم بلا عقول، مع أن هؤلاء أنفسهم كانوا يقيمون معهم أوطد العلاقات إبان حكم الشاه، ولم يحركوا ساكنًا عندما سلّمت بريطانيا الجزر الثلاث إلى إيران الشاهنشاهية.

إيران، وعلى مدى العقود الثلاثة الأخيرة، تشهد حصارًا اقتصاديًا وتقنيًا من جانب الغرب، لكن أبناءها أخذوا على عاتقهم بناء دولتهم العصرية، بإنتاج بعض أنواع الأسلحة للدفاع عن النفس، ومنها الطائرات بدون طيار، إضافة إلى السير قدمًا في برنامج الطاقة الذرية للأغراض السلمية.

كما استنّوا نظامًا انتخابيًا يشبه النظام الأمريكي، فحُددت مدة الرئاسة بأربع سنوات، ويتداول على السلطة، وفق الظروف، محافظون وإصلاحيون (كالديمقراطيين والجمهوريين)، مع ثبات نسبي في السياسة الخارجية، ووجود هامش حركة للرئيس المنتخب، كما هو الحال في الولايات المتحدة.

لقد فوّت الإيرانيون الفرصة على الغرب، الذي لم يصدّق نتائج الانتخابات الأخيرة، فبُهِت واقتنع أنهم أمام شعب يجيد فن السياسة، كما يجيد، عن سبق إصرار، التضحية. واقتنع الغرب أنه لا فرق كبيرا بين إصلاحي ومحافظ، فكلا التيارين يعملان لصالح الدولة، وإن اختلفت الأساليب.

وبالتالي أصبحت إيران دولة إقليمية معترفًا بدورها، رغم جبروت أعدائها. فماذا استطاع العرب أن ينتجوا لأنفسهم، رغم ثرواتهم التي لا تنضب وأعدادهم الغفيرة التي تزداد يومًا بعد يوم؟ إنهم مجرد سوق استهلاكية لمنتجات الغرب، بدءًا بالغذاء وانتهاءً بالسلاح، الذي لم يفعلوا به شيئًا؛ فلم يحرروا أرضًا، ولم يغيثوا مستجيرًا، بل يبقى السلاح مخزنًا حتى يصدأ، أو يُغذّون به جماعات متناحرة لتقاتل بعضها بعضًا.

إن العرب ينفقون أموالهم لمساعدة سادتهم في الخروج من الأزمات المالية التي تخنقهم. كما أن اقتصادات الدول العربية تتمثل في شيئين: النفط والسياحة. النفط يُصدَّر كمادة خام إلى الغرب، أما السياحة في كثير من البلاد العربية فهي، بحسب هذا الطرح، فسوق ومجون، بمعنى استجلاب الآخرين للاستمتاع، في صورة يراها الكاتب انتقاصًا من الكرامة.

بل إن بعض الدول النفطية (ومنها ليبيا) تسعى إلى منافسة تلك الدول، وتتهيأ لأن تكون بلدانًا سياحية، وكأن أموال النفط لم تكفها. ومن يدري، فقد نبدأ قريبًا في تصدير بناتنا إلى الخارج كما نصدر براميل النفط (بحثًا عن موارد بديلة!)، بعد أن اعتدنا الإسراف والتبذير، وأصبحنا نبحث عن المال بأي وسيلة.

والسؤال هو: ما الذي جعل هؤلاء يتكالبون علينا؟ أليس من حق إيران أن تلعب دورًا إقليميًا، حتى وإن كان من باب المصلحة؟ أليس السبب حالنا نحن، حيث نعيش التفرقة منذ أمد بعيد، ففرّطنا في كل شيء، حتى في مقدساتنا، ثم نلوم غيرنا إذا أتى لمساعدتنا، رغم أنه من ديننا، ونفضّل عليه الآخرين؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»