ليوناردو دافنشي (1452–1519) أشهر المبدعين الإيطاليين في عصر النهضة. تلقّى تعليماً بسيطاً على يد رسام إيطالي يُدعى أندريا دل فروكيو، وبفضل ذكائه الحاد تمكّن من تنمية معارفه ذاتياً، واستعمال خياله وتفكيره في إبداع عشرات الاختراعات والإنجازات العلمية في مجالات متعددة؛ فقد كان نحاتاً ورسّاماً وأديباً ومعمارياً ومهندساً، ومهتماً بالفلك والجيولوجيا وعلم النبات والتشريح.
وساعدت البيئة المنفتحة نسبياً التي ظهرت في الجمهوريات الإيطالية مع بدايات عصر النهضة دافنشي على تحويل أفكاره إلى اختراعات ملموسة ساهمت في تطور ورقي المجتمع الإيطالي الذي كان يتوق إلى التغيير والتجديد.
عبدالسلام بن سليم الفيتوري، الملقب بالأسمر (1475–1573)، أحد أشهر علماء الصوفية في المغرب العربي، عاش في الفترة نفسها التي عاش فيها دافنشي لما يقرب من نصف قرن. تلقّى تعليمه الأول في كُتّاب القرية بمدينة زليتن. ومثله مثل دافنشي، أظهر الأسمر نبوغاً مميزاً وذاكرة لافتة، ما جعل عمه يعهد به إلى شيخ اسمه عبد الواحد الدوكالي في مدينة مسلاتة لمدة سبع سنوات، ثم تلقّى العلم على يد نحو ثمانين شيخاً لاكتساب المزيد من العلوم الدينية، حسب قوله.
وذكر الأسمر في أحد كتبه أن فترة التحصيل عند الشيخ الدوكالي تبدأ من صلاة الفجر وتستمر إلى ما بعد صلاة العشاء، وبيّن كيف كان يحفظ متون الكتب حفظاً عن ظهر قلب، ثم ينفق ما يتبقى من يومه في ترديد ما يُسمّى بالأوراد، وهي مقطوعات من الأدعية يرددها الصوفيون.
كان المجتمع الذي عاش فيه الأسمر شديد المحافظة إلى درجة الرتابة، وعانى من الانحطاط الفكري واضمحلال الثقافة وانتشار الخرافات والأساطير. ولا بد أن عبد السلام الأسمر، كغيره من علماء الدين في عصره، قد شعر بالتخلف الفكري والحضاري الذي يعاني منه مجتمعه.
غير أنه، بدلاً من استغلال ذكائه وسعة مداركه في تشخيص معضلات هذا المجتمع تشخيصاً علمياً دقيقاً، ذهب إلى أن ما يصيب المجتمع من أمراض مردّه الابتعاد عن الدين، فألزم نفسه بالدعوة إلى التمسك بالشعائر الدينية، دون أن يكون قادراً على رؤية الصورة الأشمل، وهي أن الدين يدعو إلى الرقي والتقدم الحضاري، وأن ذلك يتطلب التبحر في العلوم الطبيعية بقدر دراسة علوم الدين، وإطلاق روح الإبداع والابتكار والتجديد، كما كان الحال في بدايات الحضارة الإسلامية. وببساطة، كان يعتقد مخلصاً أن شغل الوقت بالتسابيح وترديد ما يسمى بالأوراد، وإقامة الشعائر، هو أقصر الطرق إلى التقدم المجتمعي.
وقد استفاد الطب في أوروبا من رسوم دافنشي في علم التشريح، كما كانت تصاميمه في الميكانيكا أساساً لتطوير الروافع التي استُخدمت في بناء المباني الشاهقة، مثل أبراج الكنائس في إيطاليا. أما أفكاره وتصاميمه عن الأسلحة، كالمركبات المدرعة، فقد ساهمت في تعزيز القوة العسكرية لفلورنسا في البحر المتوسط.
لم يدفع سقوط الأندلس واحتلال الإسبان لطرابلس، ولاحقاً فرسان مالطا، الأسمر ومن على شاكلته من علماء ذلك الزمن إلى التفكير في ابتكار سلاح مماثل لما ابتكره دافنشي. كان الأسمر يملك من الذكاء الفطري ما قد يجعله مخترعاً يناظر دافنشي وربما يتفوق عليه، لكنه لم يفعل، وذهب ذكاؤه سدى، بسبب بيئة فكرية مغلقة.
ومنذ عصر الأسمر، وعلى مدى خمسة قرون، لم يظهر في بلاد العرب، ومنها بلادنا، عالم من طراز ابن منظور الطرابلسي، صاحب «لسان العرب»، أو جابر بن حيان الكوفي، مكتشف حمض الكبريتيك، أو ابن الهيثم البصري، رائد علم البصريات، أو ابن النفيس الدمشقي، مكتشف الدورة الدموية الصغرى، أو ابن خلدون التونسي، مؤسس علم الاجتماع، أو ابن رشد القرطبي، أحد أعلام الفلسفة، الذين مثلوا قمم الحضارة العربية الإسلامية.
في المقابل، ظهر العشرات ممن هم على شاكلة الأسمر، مثل أحمد زروق، والسيد البدوي، وعبد السلام مشيش، وفتح الله أبوراس. ويصفهم الكاتب بضيق الأفق والعجز عن التفكير الشامل والإبداعي، إذ اعتقدوا أن إصلاح المجتمعات الإسلامية لا يتحقق إلا بالزهد في الحياة وترديد التسابيح والأوراد.
فهل كانت المجتمعات الإسلامية ستصل إلى أوضاعها الراهنة لو أن هؤلاء كانوا رواداً في الرياضيات والفيزياء والميكانيكا؟
لقد خرجت إيطاليا وأوروبا من عصورها الوسطى بفضل المفكرين والمبدعين والمخترعين، بينما بقيت ليبيا وكثير من بلاد العرب عالقة في تلك العصور، بفعل المحافظة على الرتابة ومحاربة العقل والتفكير والإبداع، وتوظيف الدين لتكريس التخلف.
واليوم، رغم دروس الماضي القاسية والحاضر الأشد قسوة، ما زلنا نسمع شيوخاً وأشباه شيوخ يجرّون عامة المسلمين إلى جدل عقيم حول قضايا هامشية، لا طائل منها سوى إثارة الفرقة والخلاف، مثل تحريم التصوير والموسيقى، ووجوب تقصير الإزار وإعفاء اللحى، وفرض عينية زكاة الفطر، وغيرها من المسائل الثانوية التي تُدرج، وفق تقديرات بعضهم، ضمن البدع. ويضيف إليها بعض الصوفيين ترديد الأوراد وحلقات الذكر والرقص الديني.
ولا يحاول كثير من هؤلاء فهم الحديث الشريف: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» فهماً عميقاً. وإذا اضطروا إلى تفسيره، قصروا مفهوم العلم على العلوم الشرعية، دون علوم الابتكار كالهندسة والفيزياء، ليبقى المجال مفتوحاً للمقارنة الذهنية بين دافنشي والأسمر.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات